خانيونس:
لم تجد المزارعة العشرينية أسيل النجار وصفًا أدق من أن "الماء للزرع كالحليب للرضيع"، يكون الموت مصيره إن قُطع عنه لأيام متتالية، وهو ما حل بمحصولها في أرضها الزراعية، في بلدة خزاعة جنوبي شرقي قطاع غزة، خلال أيام العدوان الإسرائيلي الخمسة على القطاع.
مثل غالبية الغزيين، لم يكن أمام أسيل وشريكتيها غيداء قديح ونادين أبو روك، سوى التزام منازلهن، فالخروج إلى الشارع مخاطره جمّة، في ظل تحليق مكثف لطائرات حربية إسرائيلية تتربّص بكل هدفٍ متحرك، وتنثر الموت فوق رؤوس الأبرياء. على مدار الأيام الخمسة، التي بدأتها باغتيال ثلاثة من قادة حركة الجهاد الإسلامي، وانتزعت معهم أرواح ثلة من عائلاتهم.
على وقع هذا الوضع المرعب، تركت المزارعات الثلاث مزرعتهن لمصيرها، تقول أسيل لـ "نوى": "مشروعنا الزراعي في أرض تبعد حوالي 500 متر فقط عن ما يطلق عليه الاحتلال اسم السياج الأمني شرقي بلدة خزاعة، والوصول إلى هناك في ظل الحرب والغارات الجوية يعني مخاطرة بحياتنا".

بدأت المزارعات الصديقات، هذا المشروع الزراعي قبل نحو ثلاثة أعوام، بعد أن أوصدت أبواب الأمل في وجوههن للحصول على وظيفة وفق شهادتهن الجامعية، فأسيل حصلت على بكالوريوس تربية، وغيداء خريجة تجارة، بينما نادين خريجة تخصص علوم مالية ومصرفية.
كانت أسيل تتحيّن الفرصة، وتلاحق الأخبار حول مباحثات وقف إطلاق النار، علها تصل بالماء لمحصولها في الوقت المناسب، غير أن آمالها تبخرت، فقد كان وصولها متأخراً بعد غياب خمسة أيام، وصبيحة التهدئة كانت الصدمة: "مات المحصول"، هكذا وصفت أسيل ما شاهدت أمامها، وقالت: "خسرنا كل محصول الطماطم، وغالبية الشمام، والخسارة فادحة لمزارعين شبان، كان هذا المشروع بمثابة حلمنا ولقمة عيشنا".
يمتد المشروع الزراعي الشبابي على مساحة 5 دونمات، وتعتمد فيه أسيل وصديقتيها غيداء ونادين على "الزراعة الآمنة"، ويعتاش منه 6 مزراعين شباب، وفي حديثها عن الخسائر التي لحقت بالمشروع، استحضرت ما ورد على لسان الشهيد المزارع محمد أبو طعيمة، الذي كان يعتاش وأسرته على مبلغ بسيط يحصله من عمله اليومي في الزراعة، وقالت: "الأرض تعادل الروح بالنسبة للمزارع، فكيف بنا نحن المزارعات ونحن نستأجر هذه الأرض، وأنشأنا عليها مشروع حياتنا في ظل واقع عمل متردٍّ بالنسبة لجيل الشباب".

تشير أسيل بحديثها عن الشهيد أبو طعيمة إلى مقطع فيديو انتشر له بعد اغتياله في غارة جوية إسرائيلية خلال العدوان الأخير، ويظهر فيه الشهيد مفتخرًا بعمله في الزراعة، ورغم ما يتقاضاه من مبلغ زهيد، إلا أنه أظهر قدرًا كبيرًا من الرضا بما يقسمه الله له من رزق يكفي لإعالة أسرته.
هذه الهمّة التي ظهر عليها الشهيد محمد، وبقدر حزنها عليه إذ عرفته مزاعًا مثابرًا، فإنها استمدت منه الإصرار، الذي لا يجعلها تستسلم لليأس أمام مشهد "الخراب" الذي أصاب محصولها، وفي الوقت الذي كانت برفقة زميلتيها غيداء ونادين، يخلعون التالف من المحصول، تقول: "نفكر في الخطوة القادمة من أجل إعمار الأرض والمضي قدمًا إلى الأمام".
وتستمد المزارعات الثلاث قوتهن من تجربة سابقة تعرضن لها خلال الحرب على غزة في مايو/أيار عام 2021، حيث قضت الصواريخ وما ينبعث منها من مواد سامة على محصولهن، غير أنهن ورغم الخسارة الفادحة انتفضن من جديد، ونجحن في إعمار الأرض وفلاحتها وزراعتها.

بدأت الصديقات الثلاث مشروعهن بمساحة أرض تقدر بنحو ثلاث دونمات استأجرنها من مالكها لمدة عام، بهدف زراعتها والاستفادة من محصولها لبيعه لإعالة أنفسهن وعائلاتهن، وسداد قيمة أجرة الأرض من ريع المحصول، وقد تفهم أوضاعهن كحال الشباب الخريجين في غزة ووافق على الفكرة.
استفادت أسيل وغيداء ونادين من تجاربهن كمتطوعات وناشطات شبابيات ضمن مبادرات لمساعدة المزارعين في بلدة خزاعة وما حولها من بلدات تشتهر بالزارعة في المنطقة الشرقية من خان يونس، وتقول: "السنوات تمر، وكان لا بد من البحث عن فكرة مشروع خاص؛ لتجاوز عقبة البحث عن وظيفة، وبعد دراسة الكثير من الأفكار توافقنا على استئجار أرض وزراعتها، ووجدنا كل التشجيع من الأهل، إذ تعدُّ الزراعة مهنة متوارثة لدينا عبر الأجيال".
مات المحصول ولم يمت الحلم، وعلى صفحتها على "فيسبوك" فور الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار، كتبت أسيل: "ما زلنا أحياء وللحُلم بقية".. وقبل فترة وجيزة من اندلاع العدوان على غزة، كانت فرحة الصديقات الثلاث غامرة، بحصولهن على تمويل الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية (BMZ) من خلال مؤسسة GIZ)) الألمانية، ضمن مشروع دعم استقرار سكان قطاع غزة، بتنفيذ جمعية التنمية الزراعية (الإغاثة الزراعية)، وتقول أسيل: "إن التمويل جاء لإنشاء مشروع المزرعة النموذجية على مساحة سبع دونمات في منطقة الفخاري جنوب القطاع، وسنواصل ملاحقة أحلامنا".

وتشير الإحصائيات الأولية لوزارة الزراعة في غزة، إلى أن قيمة الأضرار والخسائر التقديرية التي سببها العدوان الإسرائيلي وصلت لأكثر من مليون و300 ألف دولار، جراء الأضرار البليغة التي لحقت بالمنشآت والأراضي الزراعية، إضافة إلى عدم تمكن المزارعين من الوصول الى أراضيهم، وممارسة أعمالهم.
وشملت الأضرار والخسائر في القطاع الزراعي تلف مساحات من الدونمات المزروعة بالخضار (مكشوفة ودفيئات) وأشجار، إما نتيجة الاستهداف المباشر، أو نتيجة انقطاع مياه الري عن المحاصيل الزراعية خلال أيام العدوان.

























