غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
** ملاحظة: الأسماء الواردة ضمن هذا التحقيق مستعارة تبعًا لحساسية القضية.
في تاريخ ذلك اليوم: التاسع عشر من كانون الثاني/ يناير لعام 2024م، وفي مركز إيواء قريب من دوار الشيخ زايد شمالي قطاع غزة، دوّى صراخ امرأة شابة، ثم صراخ رجل، ثم صمتٌ ثقيل أعقبه صوت فتح باب غرفة ضيقة.
داخل تلك الغرفة، انتهت حياة "س. و" (28 عامًا) ذبحًا بسكين، على يد شقيقها الأصغر "ر. و" (26 عامًا)، في المكان نفسه الذي لجأت إليه العائلة هربًا من القصف، بحثًا عن نجاة مؤقتة من حرب لم تترك لأفرادها مساحةً لحياةٍ طبيعية.. بل لم تترك لهم شيئًا.
يستعيد إبراهيم المصري (34 عامًا)، أحد الشهود، تلك اللحظات وكأنها مشهدٌ معلق في ذاكرته لا ينغلق.
مدمن قتَلَ شقيقته بسكين في مركز إيواء وصرخ: "ارتحت منها".. ثم هرب جنوبًا ولم يعد!
يقول: "الصراخ أيقظ المخيم بأكمله. لقد سمعتُ الشاب يصرخ بصوت عالٍ: "قتلتها وارتحت منها". لم تكن الجملة مجرد اعتراف، بل إعلانًا فجًا عن جريمة مكتملة".
يتذكر المصري كيف فُتح باب الغرفة فجأة، وكيف اندفع الشاب خارجًا وهو يحمل سكينًا مغطاةً بالدم، يصرخ ويهدد، فيما تجمع الناس على مسافةٍ منه، عاجزين عن الاقتراب.
يضيف المصري: "إن أحدًا لم يستطع اعتراضه. الخوف كان أسرع من أي محاولة. بعض عناصر الأمن حاولوا ملاحقته فيما بعد، لكن الشاب كان قد غادر المنطقة". تلك -وفقًا له- كانت آخر مرة شوهد فيها القاتل في المكان.

في قطاع غزة، وعلى مدار عامين كاملين، لم تكن "س.و" وحدها التي ضاعت صرخات استغاثتها وسط ضجيج القصف. جرائم قتلٍ عديدة حدثت في سياق الفلتان الأمني وانهيار منظومة العدالة: تعطّل المحاكم، وتدمير مراكز الشرطة، وغياب الأجهزة الأمنية المستقرة والفاعلة.
تلك الظروف تركت النساء فرائس للعنف الأسري، وصولًا إلى القتل دون رقيب أو حسيب. معظم تلك الجرائم ارتُكبت في الخفاء، غالبًا بعِلم الأسرة، وتحت سطوة صمتها لحماية القاتل.. والذريعة "حماية الشرف". ارتُكبت داخل الخيام والبيوت وفي أماكن النزوح، مستفيدةً من غياب الردع القانوني، وصعوبة التبليغ، وانشغال المجتمع بتداعيات الحرب المهولة.
"القاتل معروف.. التتبّع صعب"!
في محيط مركز الإيواء الذي قُتلت فيه "س.و"، التقى معد التحقيق رجل أمنٍ كان يعمل في تلك المنطقة، تتحفّظ "نوى" على اسمه بناءً على طلبه. أوضح أن التحقيقات الأولية آنذاك أظهرت أن الجريمة ارتُكبت على خلفية اتهام الشابة بالتحدث إلى شبان عبر الهاتف، ومشاهدتها تسير مع أحدهم في الشارع. "اتهامات تكفي في زمن الفوضى لتحويل الأخ إلى قاضٍ وجلّاد"، على حد تعبيره.
"القاتل معروف لدى الأجهزة الأمنية، ومن أصحاب السوابق في قضايا تعاطي المخدرات والاتجار بها، إضافة إلى تورطه في قضايا أخلاقية سابقة".
وبحسب رجل الأمن، "فالقاتل استغل غياب الأب والأخ الأكبر، فيما كانت الأم والأخت الصغرى البالغة من العمر 18 عامًا، معهما في الغرفة"، مشيرًا إلى أنه (القاتل) معروف لدى الأجهزة الأمنية، ومن أصحاب السوابق في قضايا تعاطي المخدرات والاتجار بها، إضافة إلى تورطه في قضايا أخلاقية سابقة.
يقول: "بعد تنفيذ الجريمة، تمكن من الهروب إلى جنوبي وادي غزة عبر الحاجز الإسرائيلي، في فترة كان يسمح فيها للنازحين بالمرور باتجاه واحد فقط، دون عودة"، مردفًا: "أرسلنا بلاغات للجهات المختصة في الجنوب، لكن ظروف الحرب، والاستهدافات المتكررة لعناصر الأمن، حالت دون ملاحقته".
وحتى بعد دخول وقف إطلاق النار "المؤقت" حيز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 2025م، بقي الملف مفتوحًا بلا نتيجة. حاولت الأجهزة الأمنية إعادة تتبع القاتل، لكن دون جدوى -وفق تأكيده.
"نتحرك بحذر شديد رغم وقف النار خشية الاستهداف (..) نحاول متابعة القضايا التي سُجلت خلال الإبادة لكن ذلك يحتاج إلى وقت واستقرار أمني تام".
يعزو رجل الأمن ذلك إلى شلل المنظومة الأمنية بفعل القصف، وإلى ما يصفه بمحاولة الاحتلال توفير بيئة آمنة للمجرمين في مناطق خاضعة لسيطرته، "أجزاء من شرق رفح على سبيل المثال".
وذكَرَ أن "الأجهزة الأمنية حتى في ظل إعلان وقف إطلاق النار اليوم، تتحرك بحذر شديد خشية استهدافات الاحتلال"، قائلًا: "نحاول قدر الإمكان فتح ملفات القضايا التي سُجلت خلال حرب الإبادة، لكن ذلك يحتاج إلى وقت واستقرار أمني تام".
حاول اغتصابها.. قتلها وقال "استشهدت"!
قبل مقتل "س.و" بأسابيع، وبنفس الشهر من عام 2023م، أي بعد اندلاع الحرب بنحو شهر ونصف، كانت عائلات حي الشجاعية شرقي مدينة غزة تفرّ من بيوتها تحت القصف.
من بين تلك العائلات، خرجت عائلة المواطن "ع. إ" المكوّنة من تسعة أفراد، متجهة إلى غربي المدينة. نزوح قاسٍ، لكنه لم يكن النهاية. بعد انسحاب قوات الاحتلال، عادت العائلات إلى الحي، أو إلى ما تبقى منه، لكن تلك العائلة عادت ناقصة. ابنتهم "م. إ" (21 عامًا) لم تكن معهم.
حاول اغتصابها ولما انكشف الأمر قتلها وعاد إلى حيّه حزينًا يحكي: "استشهدت بصاروخ"!
يقول محمود (الذي طلب نشر اسمه الأول فقط)، وهو أحد وجهاء المنطقة: "أخبرت العائلة الجيران أن الفتاة استشهدت إثر إصابتها بصاروخ إسرائيلي أثناء النزوح. "الرواية كانت ضعيفة"، يقول، "لم تكن مقنعة، وأثارت الشكوك". ثم بدأت أحاديث تتداول بين الأهالي عن احتمال مقتل الفتاة على يد والدها.
تلك الشكوك دفعت رجال الأمن للبحث في التفاصيل. إذ لم يظهر اسم الفتاة في كشوفات وزارة الصحة، ولم تُسجّل جثة باسمها في أي مستشفى أو نقطة طبية.
التحقيقات قادت إلى حقيقة صادمة: الفتاة قُتلت على يد والدها، ودُفنت ليلًا في أرض فارغة، دون أن يعلم أحد. تبيّن أن الأب حاول اغتصاب ابنته أكثر من مرة مستغلًا وجودهما معًا في مكان النزوح، بعيدًا عن بقية أفراد الأسرة، وعندما انكشف الأمر، قتلها.
خلال التحقيق، قال الأب إنه كان "فاقدًا الوعي" بسبب تعاطيه المخدرات، وهدد بقية أفراد الأسرة بالقتل إن أفصحوا عما جرى.
خلال التحقيق، قال الأب إنه كان "فاقدًا الوعي" بسبب تعاطيه المخدرات، وهدد بقية أفراد الأسرة بالقتل إن أفصحوا عما جرى.
اقتيد الأب إلى مركز توقيف مؤقت بانتظار انتهاء الحرب ومحاكمته. لكن بعد أسابيع، تم الإفراج عنه إثر تهديد الاحتلال بقصف مكان الاحتجاز. ومنذ ذلك الحين، لم تتمكن الأجهزة الأمنية من العثور عليه مجددًا. مناطق كثيرة باتت خارج قدرة الشرطة على العمل، وتحوّلت إلى ملاذات للهاربين من العدالة.
قتلها "لتطهير الشرف" بعد "مكالمة فيديو"
وفي جنوبي القطاع، تكررت القصة بصيغة مختلفة، لكنها حملت الجوهر نفسه. في منتصف ليلة الثامن والعشرين من آب/أغسطس لعام 2024م، استيقظ النازحون في مواصي خانيونس على صراخ صادر من خيمة عائلة المواطن "ي. ن".
داخل الخيمة، قُتلت سيدة مطلقة (32 عامًا) خنقًا على يد شقيقها، بتحريض مباشر من والدها، بذريعة "تطهير الشرف".
يروي شاهد كان ينزح في خيمة قريبة لـ"نوى"، مشترطًا عدم ذكر اسمه، أن الأب استدعى ابنه من مكان سكنه البعيد بعد أن شاهدت الأم ابنتها تجري مكالمة فيديو مع شاب خارج غزة، بشعر مكشوف.
قتل شقيقته بتحريض من أبيه بعد شهادة أمها بأنها اتصلت بأحدهم "فيديو" بدون حجاب!
في تلك الليلة، حضر الإسعاف والشرطة، ونُقلت الجثة إلى المستشفى، وأُلقي القبض على الأب والابن. بدا الأمر وكأن العدالة ستأخذ مسارها. لكن بعد نحو شهرين، أُفرج عن الجناة. عاد الأب والابن إلى حياتهما اليومية، وكأن شيئًا لم يكن.
حين سأل الشاهد أحد رجال الأمن عن سبب الإفراج، جاءه الجواب مختصرًا: الظروف الأمنية لا تسمح بالاحتجاز طويل الأمد. المقرات مؤقتة، مهددة بالقصف، والقضايا "تُرحّل" إلى ما بعد الحرب". موعدٌ لا يعرف أحد متى كان سيأتي في تلك الآونة!
ضابط في جهاز المباحث بغزة -التقاه معد التحقيق- أكد أن عشرات الجرائم بحق النساء كانت تنتظر انتهاء الحرب للنظر فيها، "وحتى الآن لا يمكن التحرك بشكل طبيعي في التحري بخصوصها خشية الاستهدافات المستمرة".
ضابط في جهاز المباحث: "الاحتلال تعمّد نشر الفوضى وتغذية الجريمة.. هناك مجرمون فروا إلى مناطق خطيرة على عناصر الأمن وهكذا أفلتوا من العقاب".
وقال: "الاحتلال تعمّد نشر الفوضى وتغذية الجريمة، وغياب القدرة على التحرك الميداني وفرض القانون منع اتخاذ إجراءات رادعة. هناك مجرمون ارتكبوا جرائمهم وفروا إلى مناطق تشكل خطرًا على عناصر الأمن، وهكذا أفلتوا من العقاب".
قبل الحرب، يوضح الضابط، كانت الأجهزة الأمنية تتعامل بصرامة مع قضايا قتل النساء، حتى تلك التي تُغلّف اجتماعيًا بمسمى "الشرف". طيلة عامي الإبادة، لم تتوفر إحصاءات رسمية، "لكن الحديث يدور عن عشرات الحالات، لم يُكشف عن تفاصيلها. بعض العائلات كانت تتستر على الجرائم، وتدفن الضحايا دون تقارير طبية، خاصة في مناطق الاجتياحات والتوغلات".
قفزات قانونية في الضفة لم تصل غزة!
حاول معد التحقيق، التواصل مع ثلاثة محامين مختصين بالقانون الجنائي؛ لشرح الإطار القانوني الناظم لجرائم قتل النساء في قطاع غزة، إلا أنهم رفضوا الإدلاء بأي إفادات، مبرّرين ذلك بحساسية القضية وخطورة الوضع الأمني الراهن.
رغم ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن القانون الفلسطيني، شهد خلال السنوات الماضية تعديلات زادت من العقوبات الواقعة على مرتكبي جرائم الشرف بعد سلسلة نضالات قادتها المؤسسات النسوية والأهلية والحقوقية داخل البلاد وخارجها، حيث جردت مرتكبيها من "الامتيازات" التي كانت تمنحهم أحكامًا مخففة، لتتحول من "جنح" في بعض الحالات إلى جنايات كبرى تستوجب العقوبات القصوى.
القرار بقانون الصادر عام 2014م نص صراحة على عدم استفادة مرتكبي الجرائم بحق النساء من "العذر المخفف"، إذا كانت الدوافع مرتبطة بما يسمى "شرف العائلة".
ومن أبرز التعديلات كان سقوط "الأعذار المخففة"، حيث أن الجناة كانوا في السنوات السابقة يعتمدون على المادة (98) من قانون العقوبات، التي كانت تمنح "عذرًا مخففًا" لمن يرتكب جريمة في حالة غضب شديد ناتج عن عمل غير محق. إلا أن القرار بقانون الصادر عام 2014م قطع الطريق على هذا التبرير، حيث نص صراحة على عدم استفادة مرتكبي الجرائم بحق النساء من هذا العذر إذا كانت الدوافع مرتبطة بما يسمى "شرف العائلة"، بحسب ما ورد في التقارير السنوية للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان.
الإصلاح القانوني، طال أيضًا المادة (99)، التي كانت تُعرف بـ "الأسباب المخففة التقديرية"، التي كانت تمنح القضاة صلاحية تخفيض العقوبات إلى النصف تقريبًا، حيث إنه في عام 2018م، صدر تعديل تاريخي منع القضاة من استخدام هذه المادة في الجرائم التي تقع على النساء والأطفال، ما أجبر المحاكم على إيقاع العقوبة كاملة دون محاباة لأسباب اجتماعية أو لأعراف عشائرية.

إضافة لذلك جاء من ضمن التعديلات القانونية إلغاء المادة (340) بالكامل منذ عام 2011م، التي كانت تُعفي القاتل من العقوبة تمامًا إذا فاجأ زوجته أو إحدى قريباته في حالة تلبس بالزنا.
وبإلغاء هذا النص، لم يعد هناك أي ثغرة تمنح القاتل مخرجًا قانونيًا "بصورة آلية" بناء على مسرح الجريمة.
الجدير ذكره أن تلك القفزات القانونية والتشريعية، وبرغم اعتمادها في الضفة الغربية، لم تصل إلى قطاع غزة حتى تاريخ بدء الإبادة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول لعام 2023م.
فبسبب الانقسام الفلسطيني ووجود تعدد بالسلطات القضائية والتشريعية، استمر القطاع بالاعتماد على قانون العقوبات القديم (ويعود لعام 1936)، وفقًا لما ورد في التقارير السنوية للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان.
"إكراهات الحرب قيدت نطاق الاستجابة"
ويؤكد علاء السكافي، مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، أن حرب الإبادة الإسرائيلية أفرزت ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات العنف ضد النساء، بفعل الظروف القاسية التي فُرضت على السكان من نزوح وتشريد وانهيار سبل العيش.
ويوضح أن التفاصيل الميدانية أظهرت زيادة واضحة في الاعتداءات الجسدية والعنف المنزلي من قبل الأزواج والأقارب مقارنة بما قبل الحرب، في ظل غياب الجهات القانونية والاجتماعية التي كانت تضطلع سابقًا بمتابعة تلك الانتهاكات.
ويشير السكافي إلى أن النساء عانين خلال الحرب من ضغوطٍ نفسية بالغة القسوة، ترافقت مع أشكال متعددة من العنف داخل المنازل ومراكز النزوح، شملت اعتداءات وتحرشًا جنسيًا ولفظيًا. لكنه يلفت إلى أن الظروف الميدانية الصعبة حالت دون وجود رصد فعلي لحالات قتل نساء خلال تلك الفترة، مؤكدًا أن غياب التوثيق لا يعني انتفاء وقوع جرائم على خلفيات ما يُسمى بـ"الشرف"، بل يعكس صعوبة الوصول إلى بعض المناطق وتعطل عمل الجهات المختصة مع انهيار البنية الحكومية.
وحول دور مؤسسته، يوضح أنهم تابعوا حالات وتعاملوا معها قدر المستطاع، "غير أن إكراهات الحرب قيّدت نطاق التدخل والاستجابة".
ويرى أن عنف الاحتلال واسع النطاق كان يستحوذ على اهتمام المؤسسات المحلية والدولية ووسائل الإعلام، باعتباره يفوق بمراحل العنف المحلي، ما جعل التركيز يتجه إلى الجرائم الجماعية المرتكبة بحق الفلسطينيين.
ويضيف: "في خضم مقتل آلاف النساء جراء القصف والعمليات العسكرية على مدار نحو عامين، كان من الصعب أن يتقدم ملف جريمة فردية على حساب مشهد الإبادة الأوسع"، مؤكدًا أن المؤسسات اضطرت للعمل ضمن هذه الأولويات حتى لا تنصرف أنظار العالم عن حجم المجازر.
"الحرب شهدت عمومًا ارتفاعًا في معدلات الجريمة نتيجة غياب القانون وتفكك السلطة، ما عزز منطق الثأر وأخذ الحق باليد".
ويبين السكافي أن الحرب شهدت عمومًا ارتفاعًا في معدلات الجريمة نتيجة غياب القانون وتفكك السلطة، ما عزز منطق الثأر وأخذ الحق باليد.
ومع ذلك، يشير إلى أن المعطيات المتاحة لا تسمح بالحديث عن ارتفاع استثنائي في نسب قتل النساء بدوافع العنف مقارنة بما كان يُسجل قبل الحرب، مؤكدًا عدم وجود أرقام دقيقة بسبب تعذر عمل الجهات الراصدة في مختلف مناطق القطاع طوال فترة الحرب.
"رحلة مع صدمات طويلة الأمد"
المرشدة النفسية صابرين أبو جراد، التي عملت في مراكز إيواء شمالي القطاع، قالت: "الحرب صنعت بيئة شديدة الخطورة على النساء". وتحدثت عن فتيات تعرضن لاعتداءات جنسية داخل مراكز النزوح، وعن نساء قُتلن بذريعة الشرف، قبل أن تُظهر التحقيقات أن الجناة كانوا تحت تأثير المخدرات.
قالت لـ"نوى": "الحرب ما بتدمّر البيوت بس. هي بتكسر النفوس والعلاقات الاجتماعية، وبتخلي النساء أكثر هشاشة".
مرشدة نفسية تتحدث عن تعرض فتيات لاعتداءات جنسية داخل مراكز الإيواء وأخريات قُتلن بذريعة الشرف على أيدي متعاطين ومدمنين.
وأضافت: "الناجيات من هذه الانتهاكات يعانين من صدمات طويلة الأمد: فقدان الثقة، الكوابيس، والشعور الدائم بعدم الأمان".
الدعم النفسي -كما تؤكد- ضروري لكنه غير كافٍ في ظل غياب حماية قانونية حقيقية. "ما بصير نسمح إن الحرب تكون مبررًا لمضاعفة مأساة النساء".
ومرارًا طالبت مؤسسات نسوية بضرورة إقرار "قانون حماية الأسرة من العنف"، ليكون مظلة شاملة تمنع وقوع الجريمة قبل حدوثها، وليس فقط معاقبة مرتكبيها.
قطاع غزة، لا يزال يحتكم إلى "قانون حقوق العائلة المصري الصادر سنة 1954م"، وهو قانون يعود لفترة الإدارة المصرية، ولم يعد يواكب التغيرات العصرية أو الاحتياجات الحقوقية الحالية.
ويسهم القانون -وفق مختصين حقوقيين- في الحد من ظاهرة زواج القاصرات، وحماية الحقوق الصحية والتعليمية للفتيات، وصون حقوق النساء، والحد من الجرائم بحقهن، وتغليظ العقوبات بحق مرتكبيها، لكنه -يا للأسف- لم يُفعّل إلى اللحظة؛ بسبب عدم وجود الإرادة قبل حرب الإبادة، وعدم توفر الإمكانيات المناسبة للتطبيق خلالها.
جدير بالذكر، أن قطاع غزة، لا يزال يحتكم إلى "قانون حقوق العائلة المصري الصادر سنة 1954م"، وهو قانون يعود لفترة الإدارة المصرية، ولم يعد يواكب التغيرات العصرية أو الاحتياجات الحقوقية الحالية.
"جهاز القضاء يحاول ترميم نفسه"
من جانبه، يتحدث عضو سابق في نيابة دير البلح (أيضًا تحفظ على نشر اسمه) حول أن القانون الفلسطيني، قبل الحرب، كان واضحًا في تصنيف جرائم قتل النساء كقتل عمد، دون اعتداد بمبررات اجتماعية.
ويشير إلى أن عدد هذه الجرائم كان قد انخفض بفعل تشديد العقوبات وحملات التوعية بغزة، "لكن خلال حرب الإبادة، تعطلت النيابة، وتراجعت قدرة الردع، وارتفعت معدلات الجريمة عمومًا، بما فيها جرائم القتل على خلفية الشرف" يستدرك.
"عدد هذه الجرائم انخفض قبل الحرب بفعل تشديد العقوبات وحملات التوعية، "لكن خلال الإبادة، تعطلت النيابة، وتراجعت قدرة الردع، وارتفعت معدلات الجريمة، بما فيها القتل على خلفية الشرف".
ومع مرور نحو شهرين على وقف إطلاق النار، يوضح أن "الجهاز القضائي بشكل عام لا يزال شبه معطل، وحتى اليوم لم تعمل المحاكم ولا النيابات إلا بشكل جزئي ومن أجل القضايا الاجتماعية العادية مثل الزواج والطلاق وملاحقة السارقين وغيرهم".
ويؤكد العضو السابق في نيابة دير البلح، أن "الجهاز القضائي بشكل عام يحاول ترميم نفسه ويستعد للتعامل مع كثير من القضايا التي ظلت مجمدة طوال الحرب بسبب عدم القدرة على التحرك والبحث والتقصي والتحقق"، مبينًا أن "الخطر من الاستهداف الإسرائيلي لا يزال يهدد العاملين فيه، ولذلك تجري ترتيبات العمل مجددًا بسريةٍ تامة حتى استقرار الأوضاع الأمنية وهدوئها بشكل أفضل من الحالي".
انهيار بيئة الحماية
وتقول زينب الغنيمي، مديرة مركز دراسات المرأة في غزة: "إن خروج آلاف المطلوبين وأصحاب السوابق من السجون، بشكل مفاجئ ودون ضوابط، لم يكن حدثًا عابرًا في سياق الفوضى، بل تحوّل إلى عامل خطير فاقم هشاشة النساء داخل بيوتهن".
بين ليلة وضحاها، وجدت كثيرات أنفسهن في مواجهة عنفٍ متصاعد، رصده المركز عبر باحثيه، كما وثق حالات وصلت إليه من جهات حكومية ومؤسسات محلية ودولية، كما تؤكد.
وتوضح أن المؤشرات لم تكن انطباعية، بل رقمية وصادمة. "فخلال عامي الحرب، استقبل (مركز الأمان) التابع لهم نحو 170 حالة، في حين لم يكن العدد السنوي قبل الحرب يتجاوز خمسين حالة في أقصى تقدير".
الفارق ليس مجرد أرقام، بل انعكاس لانهيار بيئة الحماية، واتساع رقعة الخطر الذي يحيط بالنساء في زمن الحرب.
وتحدثت عن أخبارٍ ترددت حول جرائم قتل ارتُكبت بحق نساء على خلفيات ما يُسمى "الشرف" وغيرها، لكنها تؤكد أن ظروف الحرب حالت دون التحقق الميداني من تلك الوقائع؛ "فالباحثون لم يتمكنوا من الوصول إلى أماكن الأحداث أو رصدها عن قرب، في ظل القصف، وانقطاع الطرق، وانهيار منظومة الوصول والحماية".
وترى الغنيمي أن فظاعة الانتهاكات الإسرائيلية في غزة دفعت بقضايا العنف الاجتماعي المحلي إلى الهامش؛ إذ وجدت المؤسسات نفسها مضطرة لتوجيه جهودها نحو معالجة آثار العنف المباشر الناتج عن القصف والتدمير.
"الواقع فرض أولوياته القاسية؛ فلا يمكن، وسط إبادة عائلات كاملة من السجل المدني، أن تحظى قصة امرأة معنّفة بالاهتمام ذاته، مهما كانت فادحة".
وتضيف بمرارة: "الواقع فرض أولوياته القاسية؛ فلا يمكن، وسط إبادة عائلات كاملة من السجل المدني، أن تحظى قصة امرأة معنّفة بالاهتمام ذاته، مهما كانت فادحة"، مشددةً على أن دور الاحتلال في مفاقمة العنف ضد النساء لا يمكن إنكاره.
وتشرح بقولها: "هو الجهة التي تتحكم بمنافذ القطاع، وتغلق المعابر، وتضيّق الخناق الاقتصادي، ما يضع الناس تحت ضغط العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية، ويرفع معدلات الفقر، فينعكس ذلك توترًا وعنفًا داخل البيوت"، لافتةً إلى أن هذا التفسير لا يبرر العنف، بل يشرح السياق الذي ساهم في تصاعده خلال الحرب.
وتردف: "كثيرات لم يتقدمن بشكاوى، مدركات أن المؤسسات المنهكة تمنح الأولوية لضحايا القصف والتهجير. كان الصمت، في حالات كثيرة، خيارًا قسريًا تفرضه المقارنة المؤلمة بين عنف خاص يُرتكب في الظل، وعنف عام يبتلع المشهد بأكمله".
مؤسسات غائبة
وعلى مستوى الأداء الحكومي، تقر الغنيمي بأن المؤسسات المعنية بمعالجة العنف كانت شبه غائبة طوال الحرب؛ إذ دُمّرت المقار الحكومية في غزة، وتوقف عمل وزارات كالتنمية الاجتماعية والداخلية، فيما لم تمتلك السلطة في رام الله آليات واضحة للعمل داخل القطاع بفعل الانقسام الفلسطيني. وهكذا، وجد الضحايا أنفسهم في فراغ قانوني ومؤسسي خانق.
"وجود السجون قبل الحرب كان يمنح النساء شعورًا نسبيًا بالأمان، ويشكّل رادعًا يقلّص احتمالات الاعتداء، بينما أدى غيابها إلى زيادة العنف الممارس ضد النساء".
وتؤكد أن وجود السجون قبل الحرب كان يمنح النساء شعورًا نسبيًا بالأمان، ويشكّل رادعًا يقلّص احتمالات الاعتداء، "بينما أدى غيابها إلى زيادة العنف الممارس من الرجال ضد النساء".
وتزيد: "مؤسستنا الجهة الوحيدة التي حافظت على تشغيل "بيت الأمان" خلال الإبادة، حيث وفّر الحماية لعشرات النساء من عنف الأزواج أو أفراد العائلة. غير أن غياب القانون، فتح الباب أمام منطق الثأر وأخذ الحق باليد، ليحلّ محل الشرطة والإجراءات التي كانت قائمة قبل الحرب، فتضاعف النزيف الصامت داخل البيوت، بالتوازي مع النزيف الظاهر في الشوارع".
تحت النار.. النساء أضعف حلقة
في رفح، يروي عنصر أمن قصة مقتل نهال (32 عامًا) طعنًا داخل خيمة النزوح على يد زوجها، المعروف بسجله في تعاطي المخدرات والعنف الأسري.
بعد تنفيذ الجريمة، هرب الجاني إلى مناطق يسيطر عليها الاحتلال. ترك وراءه أطفالًا يصرخون قرب جسد أمهم، وملفًا آخر أُضيف إلى قائمة القضايا المؤجلة.
قُتلت نهال على يد زوجها الذي هرب لمكان يخضع لسيطرة الاحتلال.. هرب وترك أطفاله يبكون قرب جسد أمهم!
تتقاطع هذه القصص عند نقطة واحدة: الحرب لا تخلق الجريمة من فراغ، لكنها ترفع الغطاء عن كل ما كان مكبوتًا، وتمنح الجناة مساحةً للإفلات. في الخيام ومراكز الإيواء، حيث انعدمت الخصوصية، وتفككت البنى الاجتماعية، وغاب القانون، أصبحت النساء الحلقة الأضعف.
بين القتل والصمت، بين الجريمة والتأجيل، تُقتل النساء مرتين: مرة بأيدي أقرب الناس، ومرة حين يُترك دمهن معلقًا في ملفات بلا مواعيد. ومع كل قصة تُروى، يتسع السؤال بدل أن ينغلق: "كم جريمة أخرى لم تُروَ بعد؟ كم امرأة دُفنت في صمت لأن الحرب عطّلت العدالة؟ ومتى يتحول "ما بعد الحرب" إلى زمن حقيقي للمحاسبة، لا إلى ذريعة جديدة لترك القتلة أحرارًا؟
























