شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 04 مارس 2026م22:38 بتوقيت القدس

وسط غياب البروتوكولات الخاصة بتشخيصه وعلاجه..

"الاكتئاب" يحصد أرواح أمهات.. ما بعد الولادة!

01 مارس 2026 - 12:00
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في الثاني عشر من آب الماضي، أعلنت الشرطة الفلسطينية وفاة سيدة تبلغ من العمر 31 عاماً من إحدى قرى غربي القدس، بعد سقوطها من شباك غرفة الولادة في قسم النسائية بمجمع فلسطين الطبي. الحادثة التي هزّت الرأي العام، لم تكن مجرد "حادث عرضي"، بل فتحت الباب واسعاً أمام أسئلة قاسية حول الإهمال، وغياب الرقابة، والفجوات القاتلة في التعامل مع الحالات الحساسة.

مصادر خاصة أكدت أن السيدة كانت قد أنجبت قبل ثلاثة أيام، ودخلت في حالة اكتئاب ما بعد الولادة، ما يستوجب مرافقة خاصة وعدم تركها بمفردها.

 لكن إجراءات الأمن الروتينية في المجمع الطبي أخرجت جميع المرافقين، بمن فيهم مرافقتها الوحيدة، دون أن يتم إبلاغ الأمن بخطورة وضعها النفسي. 

وفي تلك اللحظات الفاصلة، دخلت عاملة تنظيف إلى الغرفة، لتتفاجأ بفراغها وشباكها المفتوح… لحظات صادمة انتهت باكتشاف الجثة ملقاة خلف المبنى.

في المقابل، اكتفت الشرطة الفلسطينية بتصريح مقتضب حول الحادثة، أكدت فيه أنها ما زالت تحقق في ظروف وفاة السيدة داخل أحد المستشفيات بمدينة رام الله. 

العميد لؤي ارزيقات، المتحدث باسم الشرطة، أوضح أن النيابة العامة والشرطة تبذلان جهداً مشتركاً للوقوف على ملابسات الواقعة، مشيراً إلى أن التحقيقات تهدف للوصول إلى الأسباب الحقيقية وراء الوفاة.

وقال: "كافة الإجراءات القانونية تم اتخاذها لضمان الشفافية في سير التحقيق"، مؤكداً حرص المؤسسة الأمنية على حماية حقوق المواطنين وضمان العدالة. 

غير أن هذا البيان الرسمي، رغم أهميته، لم يُجب عن أسئلة كثيرة ما زالت مطروحة: هل كان هناك تقصير في متابعة الحالة الصحية والنفسية للضحية؟ ومن يتحمل مسؤولية السماح بتركها وحيدة؟

اكتئاب ما بعد الولادة تحت المجهر

لم تكن وفاة السيدة "س.م" حادثة معزولة، بل واحدة من سلسلة وقائع أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة حول اكتئاب ما بعد الولادة، ذلك المرض الصامت الذي يتسلل إلى حياة الأمهات بعد الإنجاب، ويغيّر تفاصيل يومهن بل وقد يهدد حياتهن وحياة أطفالهن.

في إحدى بلدات القدس، جلست سيدة الشابة "أ ، ع"، وطلبت عدم ذكر اسمها حفاظًا على خصوصيتها ، لتروي قصتها مع اكتئاب ما بعد الولادة، قصة مليئة بالصدمة والخذلان، وتكشف جانبًا مظلمًا قلّما يُروى في مجتمع يرفض أحيانًا الاعتراف بالمرض النفسي.

بدأت الحكاية بعد ولادة طفلها الأول بشهر واحد فقط. تقول: "زوجي أخذ طفلي لينام بجانبه، ومن دون سبب بدأت أشك أنني أعاني من اكتئاب. لم أفهم لماذا أفكر هكذا، زوجي إنسان جيد. لكن كانت تلك أول إشارة أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث لي".

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. فبعد إنجاب طفل ثانٍ بفارق أقل من عامين، ازدادت الضغوط، وبدأت السيدة تشعر أن حياتها تفقد معناها: "كنت أخرج وأسافر، لكن داخلي لم يعد يعرف الفرح. لا شيء يثير اهتمامي".

" لم يصدقني أحد"

مع تزايد الأعراض، حاولت هذه الأم الاستنجاد بمن حولها، لكن الإجابة كانت دائمًا جاهزة: "قالوا لي صلّي واقرئي القرآن، وستتعافين، أنا مؤمنة وأعرف أهمية ذلك، لكنني كنت أشعر أن ما أعانيه أكبر من نصيحة دينية، إنه مرض يحتاج علاجًا طبيًا".

وتقول السيدة إن واحدة من المحطات الفارقة في قصتها كانت مرتبطة بالمكان الذي وضعت فيه أطفالها: "لحسن حظي أن المستشفى الذي أنجبت فيه كان المستشفى الفرنساوي في القدس. كان فيه طبيب نفسي، وهذه الصدفة أنقذتني، لأنها سهلت لي خطوة التشخيص الأولي، وأتاحت لي أن أتعامل مع حالتي بجدية منذ البداية".

وتضيف: "لو لم يكن هناك طبيب نفسي في المستشفى، ربما كنت سأؤجل العلاج، أو أواصل الإنكار كما يفعل الكثيرون. وجوده كان نقطة تحوّل في حياتي".

حين زارت السيدة طبيبًا نفسيًا، جاء التشخيص سريعًا: اكتئاب ما بعد الولادة، لحظة صادمة لكنها فارقة في حياتها، "بمجرد أن سمعت التشخيص، أقسمت أن معرفتي بالحقيقة أفضل من جهلي بها. بدأت أتناول الدواء، وشعرت أن هناك بصيص أمل".

بين الجلسات والانهيار العلني

خضعت السيدة لـ 12 جلسة علاج نفسي، في البداية، بدت النتائج مشجعة، لكن الأعراض لم تختفِ تمامًا: "في بعض الأوقات فقدت السيطرة أمام العائلة، وكان ذلك أصعب ما مررت به. لم أرد أن ينهار توازني أمام الأقارب، لكنه حدث".

وسط هذه العاصفة، لعب زوجها دورًا محوريًا: "لم يتركني لحظة، كان يرافقني، يشجعني على الاستمرار بالعلاج، ويقف بجانبي. لولاه لما تمكنت من الاستمرار".

تختم السيدة المقدسية حديثها برسالة واضحة: " اكتئاب ما بعد الولادة ليس ضعفًا في الإيمان ولا عيبًا في الشخصية، إنه مرض يحتاج إلى علاج ودعم. أتمنى أن يتفهم الناس ما تمر به الأمهات، بدلاً من إنكار معاناتهن أو محاسبتهن".

هذه القصة تكشف كيف يمكن للصمت والإنكار أن يضاعفا معاناة الأمهات. خلف الجدران، تعيش نساء كثيرات التجربة نفسها، لكن قليلات فقط يجرؤن على الكلام.

و في هذا السياق، التقينا بالسيدة "م.ن"، التي فضلت أيضاً عدم الظهور أمام الكاميرا لتروي تجربتها القاسية. بصوتٍ خافت اعترفت أنها، خلال فترة حملها وما تلاها من ولادة، دخلت في دوامة من الاكتئاب جعلتها تفكر مراراً بالتخلص من طفلتها، وأحياناً بوضع حد لحياتها.

شهادتها الصادمة فتحت الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية: هل يحظى اكتئاب ما بعد الولادة بالاهتمام الكافي داخل المؤسسات الصحية؟ وهل خصصت وزارة الصحة بروتوكولات واضحة للتشخيص والعلاج والمتابعة؟ ولماذا يبقى هذا المرض شبه غائب عن وسائل الإعلام والخطاب العام، رغم خطورته على الأمهات والأطفال معاً؟

أسئلة كثيرة سنبحث عن إجاباتها في هذا التحقيق، مستندين إلى شهادات أمهات، وآراء مختصين، ووثائق رسمية تكشف حقيقة الاهتمام أو الإهمال، حول هذا المرض الذي لا يقل خطورة عن أي طارئ طبي آخر.

أصوات تدق ناقوس الخطر

تحولت حوادث وفاة سيدات على خلفية اكتئاب ما بعد الولادة إلى مادة ساخنة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تفاعل النشطاء والإعلاميون بكثافة، مطلقين أسئلة ونداءات لا تقل إلحاحاً عن صرخة الجرس الأول: من يحمي الأمهات في لحظات ضعفهن؟ وهل تملك المنظومة الصحية في فلسطين سياسات واضحة للتشخيص المبكر والعلاج والدعم النفسي؟

تلك الأصوات التي تعالت في الفضاء الرقمي لم تكن مجرد تعليقات عابرة، بل تعبيراً عن حالة قلق جماعي تتجاوز المأساة الفردية لتطرح قضية عامة تتطلب نقاشاً وطنياً جاداً وحلولاً ملموسة.

تصف كثير من النساء فترة ما بعد الولادة بأنها الأصعب في حياتهن، ليس بسبب التغيرات الجسدية فقط، بل بسبب الانهيارات النفسية التي قد ترافقها، وتُعرف طبيًا بـ"اكتئاب ما بعد الولادة". 

آية صرصور: "غياب البروتوكول الصحي والتوعية باكتئاب ما بعد الولادة يضاعف معاناة الأمهات ويهدد حياتهن"

من هذه النقطة تحديدًا، انطلقت الناشطة المجتمعية ومؤسسة منصة "MOM COMMUNITY"، آية صرصور، لتسليط الضوء على غياب التوعية وغياب البروتوكولات الصحية الخاصة بالأمهات في فلسطين والمنطقة العربية، مؤكدة أن التعامل مع هذه القضية كمسألة ثانوية ساهم في تفاقم المعاناة وترك آثار مدمرة على الأمهات وأسرهن.

تجارب مؤلمة وغياب مراعاة إنسانية

أشارت صرصور إلى أن العديد من الأمهات يواجهن تجارب سلبية في غرف الولادة، بسبب غياب المراعاة النفسية والإنسانية، بل أحيانًا بسبب استباحة خصوصيتهن وحرمانهن من اتخاذ قرارات تخص أجسادهن.

وأضافت: "كثير من النساء يدخلن في حالة اكتئاب بسبب طريقة تعامل بعض الكوادر الطبية والقابلات، التي تفتقر إلى الوعي بالحالة النفسية للسيدة".

وأكدت أن المشكلة تتفاقم بسبب التركيز على الجانب الجسدي فقط، حيث تعتبر الولادة "ناجحة" إذا اكتمل الحمل وخرج الطفل بصحة جيدة، بينما يتم تجاهل الأسئلة الأهم: هل مرت الأم بتجربة آمنة نفسيًا؟ هل حصلت على دعم ومعاملة إنسانية لائقة؟

"مجتمع الأمهات": منصة للتوعية والدعم

صرصور تحدثت عن مبادرتها "مجتمع الأمهات"، التي أطلقت أول ورشة متخصصة بعنوان "رحلة الأمومة من الحمل حتى الولادة"، بمشاركة أكثر من 80 سيدة، وتقول: "اخترنا موضوع اكتئاب ما بعد الولادة لأننا لمسنا غياب الوعي به. كثير من النساء تظن أن ما يمررن به طبيعي، بينما هو مرض يحتاج إلى علاج ومتابعة".

"حتى اليوم لا يوجد نظام يلزم الأطباء والممرضين بمتابعة الحالة النفسية للمرأة بعد الولادة. نركز على تطعيم الأطفال، لكن لماذا لا نفرض أيضًا متابعة إلزامية للأم؟".

وانتقدت صرصور بشدة غياب بروتوكول صحي فلسطيني واضح لمتابعة صحة النساء بعد الولادة، سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة. وقالت: "حتى اليوم لا يوجد نظام يلزم الأطباء والممرضين بمتابعة الحالة النفسية للمرأة بعد الولادة. نركز على تطعيم الأطفال، لكن لماذا لا نفرض أيضًا متابعة إلزامية للأم؟".

وفي ختام حديثها، وجهت صرصور رسالة إلى كل الأطراف المعنية، قائلة: "الصحة ليست رفاهية. لا بد من إدخال الصحة النفسية ضمن بروتوكولات الرعاية الصحية للنساء، وفرض متابعة إلزامية بعد الولادة، إلى جانب تدريب الكوادر الطبية على المراعاة الإنسانية. حماية الأمهات مسؤولية وطنية، ويجب أن تكون سياسات رسمية وليست مبادرات فردية فقط".

"12.6% من الأمهات الفلسطينيات يعانين اكتئاب ما بعد الولادة.. وسوء المعاملة في غرف الولادة يضاعف المخاطر".

تخيل أن تلد أمًا طفلًا جديدًا، لكن بدلاً من الفرح، تجد نفسها وحيدة، مرهقة، ومهددة بالاكتئاب النفسي، وسط مرافق ولادة تتجاهل حقوقها. هذه ليست قصة مفترضة، بل واقع واحدة من كل ثماني نساء فلسطينيات بعد الولادة، وفق نتائج دراسة حديثة أجراها معهد الصحة في جامعة بيرزيت، وكانت د.ياسمين وهدان، الباحثة في معهد الصحة بالجامعة ذاتها إحدى المشرفات عليها، إذ نشرت في مجلة BMC Public Health لعام 2024م.

وكشفت الدراسة -بحسب د.وهدان- أن 12.6% من الأمهات الفلسطينيات يعانين اكتئاب ما بعد الولادة (PPD)، مع ارتفاع معدلات الإصابة بين النساء في غزة والأمهات الأكبر سنًا، فضلاً عن أن سوء المعاملة أثناء الولادة يزيد من خطر الإصابة بشكل ملحوظ.

"أعراض الاكتئاب ما بعد الولادة: الانتشار، عوامل الخطر، وتجارب الولادة في فلسطين"، ألقت الضوء على واقع صادم تعيشه الأمهات الفلسطينيات بعد الولادة في ظل غياب الدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب ممارسات صحية غير مهنية داخل مرافق الولادة.

وكانت أبرز النتائج، تتحدث عن:
- معدل الانتشار: حيث أن نحو 12.6% من الأمهات الفلسطينيات أظهرن أعراض اكتئاب ما بعد الولادة، أي ما يقارب واحدة من كل ثماني نساء.

- الاختلاف المناطقي: حيث أن الأمهات في قطاع غزة أكثر عرضة بمعدل ضعفين تقريبًا مقارنة بنساء الضفة الغربية.

- العمر عامل خطر: النساء بعمر 30 عامًا فأكثر، أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب مقارنة بالأمهات الأصغر سنًا.

- سوء المعاملة أثناء الولادة: النساء اللواتي تعرضن لتجاهل أو سلوك غير لائق من الطواقم الصحية، كنّ الأكثر عرضة للاكتئاب، ما يربط بشكل مباشر بين العنف التوليدي وارتفاع معدلات PPD.

وتؤكد د.وهدان أن المشكلة لا تقتصر على اكتئاب ما بعد الولادة كاضطراب نفسي بحد ذاته، بل تمتد إلى ممارسات صحية ومجتمعية خاطئة تزيد من معاناة النساء، وتؤكد الحاجة إلى إصلاحات جذرية في أنظمة الرعاية الصحية للأمهات في فلسطين.

صمت يهدد الأمهات والأطفال

ورغم أن الولادة تُعد لحظة يفترض أن تكون مليئة بالفرح، إلا أن كثيراً من الأمهات يواجهن صراعاً صامتاً مع اكتئاب ما بعد الولادة، وهو اضطراب نفسي ما زال يُهمّش في النظام الصحي الفلسطيني.

في هذه المقابلة تكشف الأخصائية النفسية رند أزحيمان، أخصائية الطب النفسي في المستشفى الفرنسي التخصصي، الحاصلة على ماجستير في الإرشاد النفسي والعلاج النفسي ودكتوراه في الصحة النفسية، عن طبيعة هذا الاضطراب وخطورته ونسبة انتشاره في فلسطين.

وتحكي ازحيمان إحدى أصعب القصص التي واجهتها، التي تكشف بوضوح خطورة إهمال العلاج النفسي للأمهات بعد الولادة. تقول: "إحدى الأمهات أنجبت طفلها الأول، وأصيبت باكتئاب ما بعد الولادة ، جرى التعامل معها بشكل جزئي دون استكمال علاجها ، ومع مرور الوقت، حملت مرة أخرى، لكن حالتها النفسية تدهورت أكثر، ووصلت إلى مرحلة الذهان، حيث فقدت وعيها وإدراكها بسلوكها".

وتصف الأخصائية كيف كانت تقيم في بيت عربي قديم فيه فتحة بالجدار، وهناك وضعت رضيعها الذي لم يتجاوز عمره أسبوعاً حتى فارق الحياة.

"يا للأسف، لم تكن الأم ملتزمة بالأدوية كما ينبغي، والزوج ظنّ أنه قادر على لعب دور المعالج النفسي، دون وعي بخطورة المرض أو ضرورة المتابعة الطبية المتخصصة".

الشرطة والمستشفى تدخلا لاحقاً، وأُدخلت الأم للعلاج، حيث خضعت لعلاج دوائي وجلسات كهربائية تُعد من أسرع الطرق للتعامل مع مثل هذه الحالات الحادة، تحسنت حالتها، لكن العائلة أصرّت على إخراجها من المستشفى مبكراً، على مسؤولية الزوج، الذي قرر متابعة علاجها في المنزل.

"يا للأسف، لم تكن الأم ملتزمة بالأدوية كما ينبغي، والزوج ظنّ أنه قادر على لعب دور المعالج النفسي، فاعتبر أن مجرد الإشراف المنزلي يكفي، دون وعي بخطورة المرض أو ضرورة المتابعة الطبية المتخصصة".

اليوم، لا تزال الأم تخضع لعلاج دائم داخل مستشفى للأمراض النفسية، في حين يعيش الزوج صدمة عميقة، محملاً نفسه مسؤولية ما جرى.

بعد عامين، أنجبت مجدداً. في البداية بدت الأمور مستقرة، لكنها ما لبثت أن عادت إلى حالتها النفسية السابقة، وفقدت رضيعها الثاني بالطريقة نفسها. ثم تكرر المشهد مرة ثالثة، ليُسجَّل فقدان ثلاثة أطفال بسبب حالتها النفسية غير المعالجة.

اليوم، لا تزال الأم تخضع لعلاج دائم داخل مستشفى للأمراض النفسية، في حين يعيش الزوج صدمة عميقة، محملاً نفسه مسؤولية ما جرى، بعد أن تجاهل أهمية التدخل الطبي المتخصص واكتفى بالحلول المنزلية.

ثلاثة مستويات

توضح أزحيمان أن الاكتئاب يتدرج في ثلاث مراحل:

- الكآبة البسيطة (Baby Blues)، التي تظهر خلال الأسبوعين أو الثلاثة الأولى بعد الولادة، وتتمثل في تقلب المزاج والبكاء السريع، وتزول غالباً بالدعم الأسري. وتصيب حوالي 75% من الأمهات.

- اكتئاب ما بعد الولادة: يستمر من 3 إلى 6 أشهر، ويؤثر على قدرة الأم على رعاية رضيعها. وفي هذه المرحلة قد تظهر أفكار سلبية أو رفض للطفل، ما يستدعي التدخل الطبي.

- الذهان ما بعد الولادة: الأخطر والأندر، حيث تفقد الأم إدراكها وقد تسمع أصواتاً أو أوامر بإيذاء نفسها أو طفلها، وهو ما يستوجب التدخل العاجل.

نسب مرتفعة في فلسطين

تقدّر أزحيمان أن حوالي 30% من الأمهات الفلسطينيات يعانين من درجات متفاوتة من اكتئاب ما بعد الولادة، بينما تمر معظم الحالات دون تشخيص أو تدخل بسبب غياب الوعي وضعف الدعم المهني.

حوالي 30% من الأمهات الفلسطينيات يعانين من درجات متفاوتة من اكتئاب ما بعد الولادة، بينما تمر معظم الحالات دون تشخيص أو تدخل بسبب غياب الوعي.

وتكشف عن ثغرات خطيرة في النظام الصحي، تتلخص في:

- غياب الفحص النفسي الإلزامي للحوامل ضمن الفحوصات الروتينية.

- نقص الأخصائيين النفسيين في أقسام الولادة.

- إهمال الجانب النفسي مقابل التركيز المفرط على الصحة الجسدية.

حلول ممكنة

وتطرح ازحيمان، عدة حلول ممكنة، على رأسها:

إدراج فحص نفسي روتيني للحامل.

- تعزيز الوعي بأن اكتئاب ما بعد الولادة اضطراب طبي وليس "دلعاً".

- إشراك الأسرة، وخاصة الزوج، في دعم الأم معنوياً واجتماعياً.

وتختم بقولها: "الأمومة رحلة مليئة بالتحديات. من الطبيعي أن تواجه المرأة صعوبات، لكن لا يجب أن تبقى صامتة. طلب المساعدة ليس ضعفاً، بل حماية لها ولطفلها".

غياب الاعتراف بخطورة الاضطراب

تكشف الإفادات أن نحو ثلث الأمهات الفلسطينيات معرضات لاكتئاب ما بعد الولادة، في ظل غياب واضح للبنية التحتية النفسية اللازمة. المشكلة ليست في ندرة الحلول، بل في غياب الاعتراف بخطورة الاضطراب ودمج الصحة النفسية ضمن الرعاية الصحية الأساسية.

ورغم أن اكتئاب ما بعد الولادة يُصنّف عالميًا كأحد أسباب وفيات الأمهات، ما زال التعامل معه في فلسطين محاطًا بالتجاهل وضعف البنية الصحية اللازمة للكشف المبكر والمتابعة، وسط ارتفاع معدلات الإصابة في ظل الحروب والأزمات.

هذا ما تؤكده د.هديل المصري، رئيسة وحدة صحة وتنمية المرأة في وزارة الصحة، التي تكشف عن واقع صادم: "اكتئاب ما بعد الولادة حالة مرضية حقيقية، وإذا أدت إلى وفاة، فهي تُسجّل عالميًا كوفاة أمومة، لكن للأسف لا يوجد بروتوكول وطني واضح لمتابعة النساء نفسيًا بعد الولادة، والفجوات في النظام الصحي عميقة".

وتشير المصري إلى أن 20% من النساء الفلسطينيات عانين من الاكتئاب بعد الولادة وفق دراسة سابقة، قبل أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، مضيفة: "اليوم مع الحرب والنزوح والضغوط الاقتصادية، النسب مرشحة لأن تكون أعلى بكثير، لكننا نفتقد لإحصاءات دقيقة".

نقص حاد في الكوادر

أحد أبرز أوجه الأزمة يكمن في غياب الكادر المختص. تقول المصري: "لدينا نقص هائل في الأطباء النفسيين، حتى أن بعض المحافظات مثل رام الله لا يغطيها أي اختصاصي نفسي بعد تقاعد الكوادر. المستشفيات قد تضطر أحيانًا للاستعانة بأطباء من القطاع الخاص، لكن ذلك يصطدم بعقبات قانونية ومالية".

وتضيف: "حتى عندما ندرّب بعض الكوادر على التقييم النفسي الأولي، يبقى العدد غير كافٍ، والتدريبات متقطعة لا تغطي الجميع. هذا يجعل الاكتشاف المبكر ضعيفًا، بينما يُفترض أن تكون كل أقسام الولادة مجهزة باختصاصيين نفسيين أو على الأقل أخصائيين اجتماعيين مؤهلين".

"الصحة النفسية لا تُعتبر من الأولويات، حتى على مستوى الميزانيات، فهي لا تتجاوز 2% من موازنة وزارة الصحة. نُعاملها كرفاهية بينما هي مسألة إنقاذ حياة".

ورغم وجود بروتوكول عام لمتابعة الحوامل والوالدات، تؤكد المصري أن الصحة النفسية ليست أولوية في المنظومة الصحية: "الصحة النفسية لا تُعتبر من الأولويات، حتى على مستوى الميزانيات، فهي لا تتجاوز 2% من موازنة وزارة الصحة. نُعاملها كرفاهية بينما هي مسألة إنقاذ حياة".

وتضيف: "الأمر لا يقتصر على وزارة الصحة وحدها، بل هو مسؤولية وطنية. الحكومة والشركاء والمؤسسات الأكاديمية والأهلية مطالبون باعتبار الصحة النفسية جزءًا من الاستراتيجيات الأساسية، لا بندًا ثانويًا."

توصيات غائبة

وترى المصري أن الحل يبدأ بفرض إلزامية وجود مختصين نفسيين في كل مستشفى للنساء والولادة، وتجهيز غرف خاصة للنساء اللواتي تظهر عليهن مؤشرات خطر، إلى جانب توسيع نطاق التدريبات لجميع مقدمي الخدمة من أطباء وقابلات وممرضين.

"ليس عيبًا أن تطلب السيدة أو عائلتها مساعدة نفسية. للأسف، معظم الحالات تصلنا متأخرة جدًا، كما هو الحال مع السرطان عندما يُكتشف في مراحله الأخيرة".

كما تشدد على ضرورة تغيير النظرة المجتمعية: "ليس عيبًا أن تطلب السيدة أو عائلتها مساعدة نفسية. للأسف، معظم الحالات تصلنا متأخرة جدًا، كما هو الحال مع السرطان عندما يُكتشف في مراحله الأخيرة. لو بدأنا بالكشف المبكر والمتابعة، يمكن إنقاذ حياة الكثيرات".

وعلى ما يبدو، فإن النساء الفلسطينيات بعد الولادة يجدن أنفسهن بين مطرقة الأوضاع السياسية والمعيشية القاسية وسندان نظام صحي يفتقر للبروتوكولات والكوادر. وبينما تواصل الأمهات دفع الثمن، يبقى السؤال مفتوحًا: متى ستعامل الصحة النفسية كأولوية وطنية لا كترف مؤجل؟

كاريكاتـــــير