غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"انكسر قلبي والله"، كانت تقولها كلما سكتت عن البكاء، ثم تشهق كمن يحتضر. الخمسينية صباح أبو خاطر تعيش حالةً من القهر على حلمٍ جميلٍ كانَ هنا ونسفَه "صاروخ"! ابنها العشريني "بلال" كاد يكون عريسًا في الزفة قبل أن تُدفن فرحته تحت ركام المنزل الذي غدَا "كومة حجارةٍ متناثرة".
منزل هذه العائلة يقع في منطقة عزبة بيت حانون شمالي قطاع غزة، وهو واحدٌ من 151 وحدة سكنية دُمرت بالكامل، و891 وحدة دُمّرت بشكل جزئي خلال أيام العدوان الإسرائيلية الخمسة على القطاع، التي انتهجت خلالها قوات الاحتلال سياسة "حرب المنازل"، بهدف تعميق معاناة الغزيين بالقتل والتدمير.
من بين معاناة عشرة أفراد يقطنون منزل أبو خاطر، الذي أصبح "أثرًا بعد عين"، وباتوا اليوم مشردين بلا مأوى، للعريس بلال (26 عامًا) حكاية ألم ومعاناة خاصة، فقد كان مقبلًا على الحياة، فاتحًا ذراعيه لأحلامه البسيطة، لا سيما وقد عقَد قرانه قبل 10 أيامٍ فقط على من العدوان على الفتاة التي ستشاركه أحلامه، وطريقه "الوعر" منذ غدا جريحًا من جرحى مسيرات العودة.
في الحادي عشر من مايو، وبينما كانت عائلة العريس تجهّز غرفة زواج ابنها، تعالت أصوات الجيران. كان المشهد مرعبًا عندما نظرت أم إبراهيم من شرفة منزلها، لتجد الجيران رجالًا، ونساءً، وأطفالًا يهربون من المنطقة والخوف يملاً قلوبهم، لينزل عليها الخبر كوقع الصاعقة: "اشردوا يا أم إبراهيم.. اليهود بدهم يقصفوا دراكو".
"لم يكن لدينا الوقت الكافي لإخلاء البيت، نجونا بأنفسنا.. قصفَت الطائرات البيت المكون من طابقين، وفقدنا كل ممتلكاتنا وتجهيزات العرس تحت الركام".
صرخات الهاربين جعلت أم إبراهيم وأسرتها يسرعون لمغادرة المنزل بلا وعي وعلى غير هدى، وبملابسهم التي تستر أجسادهم فقط. تقول: "لم يكن لدينا الوقت الكافي لإخلاء البيت، نجونا بأنفسنا.. كانت الدنيا ليل والأجواء مرعبة، وبعد وقت قصير من خروجنا قصفت الطائرات البيت المكون من طابقين، وفقدنا كل ممتلكاتنا وتجهيزات العرس تحت الركام".
لا تدري هذه الأسرة البسيطة أي مستقبل ينتظرها، غير أن ابنها العريس بلال نال النصيب الأكبر من حزنها العميق. يقول والده زهير (59 عامًا) لـ "نوى": "راحت فرحة الولد"، فقد وجدت الأسرة نفسها مضطرة إلى تأجيل كل مراسم الفرح والزفاف إلى أجل غير مسمى.
وبدا الشعور بالقهر أشد وأعمق لدى العريس نفسه، فهذا الشاب البسيط، أحد جرحى الاحتلال من قبل، يعاني من إعاقةٍ لفقده أصابع في يديه وساقيه، ويحصل على قوت يومه من العمل على "بسطة مشروبات"، وقد تعاونت الأسرة من أجل زواجه، فكان المهر وتأثيث شقته من "تبرعات ومساهمات". يقول لـ"نوى": "مقهور"، وهي الكلمة الأكثر ترددًا على لسانه منذ "المصيبة" التي حلت به وبأسرته.
كل شيء كان يسير على نحو طبيعي، والفرحة تغمر قلبه، فقد حجز صالة للزفاف بتاريخ 27 يوليو/تموز المقبل، وبدا مقبلًا على الحياة، لتأتي غارة غادرة من طائرات إسرائيلية محملة بالموت والخراب وتقلب حياته "رأساً على عقب".
يقول بلال: "مش عارف شو أسوي.. أجّلنا كل حاجة، وما بعرف كيف ممكن أرجع كل اللي راح، كله راح، والآن قاعدين كلنا في غرفة واحدة عند قرايبنا".
كان بلال نافذة الفرح لوالدته، له من قلبها مكانة كبيرة، وتتعهد دائمًا أمام الناس بأن "تزفه على جمل" في فرحه، وبكثير من الحزن استخدمت المثل الشعبي: "راح الجمل بما حمل" في إشارة منها إلى حجم المصيبة ووقعها، على أسرةٍ بكاملها أصبحت في مهب الريح.
























