شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 01 يونيو 2026م20:18 بتوقيت القدس

بأي ذنب هُدمت؟"من تحت الركام تروي " هنادي سكيك" حكاية الفقد"

01 يونيو 2026 - 10:49

 

يفتح كتاب بأي ذنب هدمت؟ أبوابه على حكاية لا يمكن التعامل معها كسردٍ عادي لتجربة شخصية؛ فمنذ اللحظة الأولى، يجد القارئ نفسه أمام نصٍّ مشحون بوجعٍ كثيف، يتجاوز حدود الكاتبة ليعكس مأساةً جماعية، حيث تختلط السيرة الذاتية بالتاريخ الحيّ، ويغدو الألم مادةً للتوثيق بقدر ما هو تجربة معيشة.

تكتب هنادي طه سكيك من موقعٍ شديد القرب من الحدث؛ لا كشاهدةٍ تروي ما رأت من مسافة، بل كناجية خرجت من تحت الأنقاض، بعد أن فقدت، في لحظة واحدة، اثنين وعشرين فردًا من عائلتها، بينهم والدتها وزوجها وابنها وأحفادها، هذا الفقد المركّب لا يُعرض في النص بوصفه رقمًا صادمًا فحسب، بل كتحوّلٍ جذري في موقع الكاتبة نفسها، التي وجدت ذاتها، دفعةً واحدة، في مواجهة سلسلة من الأدوار القاسية: زوجة شهيد، وأم شهيد، وابنة شهيد، وأخت شهيد، وعمةً وجدةً للشهداء.

في الثالث عشر من نوفمبر2023، خرجت سكيك من تحت أنقاض منزلٍ دُمّر بغارة جوية، بعد ثلاث ساعات من الدفن، برفقة أخيها فقط. نجاةٌ جاءت ناقصة، ومحمّلة بثقل الفقد، لكنها تحوّلت، فيما بعد، إلى دافعٍ للكتابة؛ إذ لم تتعامل الكاتبة مع نجاتها بوصفها نهايةً للمأساة، بل بدايةً لمسؤولية السرد.

وفي حديثها، تستعيد سكيك خساراتها، ففقد الزوج، كما تقول، يعني غياب السند والأمان والاستقرار النفسي، فيما يمثّل فقد الابن "مهجة القلب"، في توصيفٍ مباشر، يخلو من الزخرفة، لكنه يترك أثره بعمق. وتستحضر صورة عائلتها كما كانت: "مترابطة ومتحابة"، قبل أن تُمحى بالكامل تقريبًا، في واحدة من تلك الضربات التي لا تترك وراءها سوى فراغٍ يصعب ملؤه.

ولا تخلو الحكاية من مفارقاتٍ قاسية؛ إذ ترتبط لحظات الاستهداف بتواريخ شخصية، تحمل دلالات خاصة في حياة الكاتبة، ما يضاعف من وقع الفاجعة، ويجعل الذاكرة نفسها مساحةً مفتوحة على الاستعادة المستمرة.

بعد خروجها من تحت الأنقاض، وجدت سكيك مدينة غزة في حالٍ من الانهيار الكامل؛ مدينة محاصرة، مستشفياتها مكتظة، وإمكانياتها شبه منهارة. وتصف لحظة وصولها إلى مستشفى المعمداني بقولها إنها تُركت تحت شجرة، في إحساسٍ حاد بالعزلة، يختصر حال كثيرين وجدوا أنفسهم، فجأة، خارج أي شبكة دعم.

ورغم ذلك، لا يتجه النص نحو الانكفاء، بل يكشف عن محاولةٍ مستمرة لاستعادة الفعل؛ فبخبرتها كمستشارة في الدعم النفسي والاجتماعي، وسنوات عملها الطويلة في هذا المجال، عادت الكاتبة إلى الميدان، متنقلةً بين بيوت العزاء، وقريبةً من نساء يشاركنها الفقد نفسه، في سياقٍ يبدو فيه العمل امتدادًا للتجربة، لا انفصالًا عنها.

وفي موازاة ذلك، يظهر البعد الإيماني كأحد مسارات التماسك الداخلي؛ إذ تشير سكيك إلى إتمامها حفظ القرآن الكريم خلال الحرب، في محاولة لإيجاد معنى، أو على الأقل سندٍ رمزي، في مواجهة ما يصعب تفسيره.

من حيث البناء، يأتي الكتاب في صيغة سؤال وجواب، ما يمنحه إيقاعًا متدرجًا، يبدأ من الخاص ثم يتسع تدريجيًا نحو العام؛ فلا تبقى التجربة محصورة في حدودها الفردية، بل تنفتح على مشاهد أوسع من القصف والنزوح والمجازر، إلى جانب تناول الحرب النفسية، وأداء وسائل الإعلام، والخسائر البشرية والمادية، وما خلّفته من آثار نفسية واجتماعية عميقة.

الأسئلة التي تطرحها الكاتبة تشكّل العمود الفقري للنص: هل يشعر البيت بالخوف قبل أن يُقصف؟ ماذا يعني أن ينهدم البيت وننجو؟ وهل النجاة تعني التعافي؟ وكيف يمكن الحفاظ على الإيمان في لحظات الانهيار؟ أسئلة لا تدّعي تقديم إجابات نهائية، بقدر ما تحاول تثبيت التجربة، ومنعها من الذوبان في النسيان.

ويمتد الكتاب إلى تحليل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للحرب، من تفكك النسيج المجتمعي، وارتفاع أعداد الأيتام والأرامل، إلى الانهيار الواسع في البنية التحتية والخدمات، وما يرافق ذلك من تفاقم الفقر والبطالة، والاعتماد المتزايد على المساعدات، إلى جانب التدهور الصحي والبيئي الناتج عن تلوث المياه وتعطل شبكات الصرف والكهرباء.

وفي جانب الإعلام، تقدّم سكيك قراءة نقدية للغة المستخدمة في التغطيات، متوقفةً عند كيفية إعادة صياغة الوقائع عبر مصطلحات تُخفف من حدّتها، أو تُعيد توجيهها، بما يطرح تساؤلات حول الرواية، ومن يملك حقّ صياغتها.

كما يتناول الكتاب ملف الأسرى، عبر توثيق حالة اعتقال من داخل مجمع الشفاء الطبي في مارس 2024، وما يرتبط بها من ظروف قاسية، في إضافةٍ توسيعية تعكس تعدد مستويات المعاناة.

وفي ختامه، لا يسعى النص إلى إغلاق الدائرة، بل يتركها مفتوحة؛ إذ تعود الكاتبة إلى السؤال الذي يحمل عنوان الكتاب: بأي ذنب هُدمت؟ سؤالٌ يبقى معلّقًا، يتجاوز التجربة الفردية، ويضع القارئ أمام مسؤولية التفكير، لا الاكتفاء بالتعاطف.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير