شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 04 يونيو 2026م00:06 بتوقيت القدس

المطبخ العالمي يقلّص وجباته.. وغزة تقتات على الصبر!

03 يونيو 2026 - 22:51

قطاع غزة:

عند الساعة الحادية عشرة صباحًا، كان رامي السقا (42 عامًا) يقف في مكانه المعتاد قرب نقطة توزيع الطعام في حي النصر غرب مدينة غزة، فيما يتجمع رجال وأطفال، ونساء يحملن أوانيهن المعدنية وينتظرن وصول الحافلة التي اعتادت أن تحمل وجبات المطبخ العالمي.

كان رامي يطمئن الواقفين بأن الطعام في الطريق كما يفعل يوميًا، لكن رنين هاتفٍ قصير بدّل المشهد كله حين جاءه الخبر على نحوٍ مباغت: "توقف خدمات المطبخ العالمي في المنطقة، كما في مناطق أخرى من قطاع غزة، حتى إشعار آخر".

يستعيد تلك اللحظة قائلًا: "شعرت أن الكلمات اختفت من فمي، ولم أعرف كيف أواجه الناس الذين كانوا ينتظرون الطعام"، ومنذ ذلك الصباح يقابله الناس بالسؤال أينما ذهب "متى تعود نقطة التوزيع؟" في الشارع ويلحقه إلى البيت، فيما لا يملك له جوابًا.

النقطة التي يشرف عليها كانت توفر الطعام لنحو 150 أسرة يوميًا، وصحيح أن الوجبات لم تكن تكفي الجميع لكنها كانت تؤجل الجوع لساعات إضافية

النقطة التي يشرف عليها كانت توفر الطعام لنحو 150 أسرة يوميًا، وصحيح أن الوجبات لم تكن تكفي الجميع لكنها كانت تؤجل الجوع لساعات إضافية، وتمنح العائلات فرصة لالتقاط أنفاسها وسط واقع يزداد قسوة منذ اندلاع الحرب.

ويخشى رامي أن يكون توقف الدعم الغذائي مقدمة لمرحلة أشد صعوبة، خصوصًا أن كثيرًا من الأسر لم تعد قادرة على تأمين أكثر من وجبة واحدة في اليوم في ظل الغلاء وانعدام مصادر الدخل.

على بعد أمتار من نقطة التوزيع المغلقة، كان وسيم الخالدي (47 عامًا) يقف حائرًا ويعيد حساباته، اعتاد الرجل أن يتوجه كل يوم إلى النقطة للحصول على وجبة الغداء التي تكفي أفراد أسرته الستة، أما اليوم، فيقف أمام أطفاله عاجزًا عن تقديم إجابة مقنعة حين يسألون عمّا سيأكلونه.

"كنت أعتمد على هذه الوجبة بشكل كامل، فأنا عاطل عن العمل ولا أملك أي دخل ثابت"، يقول وهو يتأمل أواني الطهي الفارغة، مضيفًا بأن هذه النقطة كانت الشيء الوحيد الذي يساعده على إطعام عائلته، واليوم لا أعرف كيف سأوفر وجبة الغداء لأبنائه.

ولم يعد التحدي مقتصرًا على الحصول على الطعام فحسب، بل امتد إلى القدرة على طهوه، فمع ارتفاع أسعار الوقود والحطب، بات يلجأ إلى حرق مخلفات البلاستيك والإسفنج لإشعال النار وتسخين ما يتوفر من طعام أو إعداد الحليب لطفلته الصغيرة.

لم يكن وسيم وحده من تلقى الخبر الذي أدخله في دوّامة وزاد من مأساته، خلف جدارٍ إسمنتي متشقق في الحي ذاته، كان أبو العبد يحاول هو الآخر تدبير ما لا يُدبَّر.

لم يعد التحدي مقتصرًا على الحصول على الطعام فحسب، بل امتد إلى القدرة على طهوه، فمع ارتفاع أسعار الوقود والحطب

الرجل الذي يعيل أسرة مكونة من أحد عشر فردًا اعتاد إرسال أبنائه يوميًا لاستلام الطعام، أما الآن، فقد عادوا بأوانٍ فارغة وأسئلة لا يملك لها جوابًا! أخذ يمرر يده على وجهه المتعب قبل أن يختصر الموقف قائلًا: "كل يوم يمر أصبح أثقل من الذي قبله".

ويطالب بإيجاد حلول عاجلة للعائلات التي استنفدت كل ما لديها من وسائل للتكيف، ولم يعد لديها ما تستند إليه في مواجهة الجوع.

ومع توقف عدد من نقاط التوزيع، وجد مئات العاملين أنفسهم خارج وظائفهم فجأة، بعدما كانوا جزءًا من منظومة الإغاثة التي اعتمد عليها السكان خلال الأشهر الماضية، ومن بينهم ممدوح الشيخ خليل، الذي لم يمض على عمله مع المطبخ العالمي سوى ثلاثة أشهر.

كان الشاب ينظر إلى الوظيفة بوصفها فرصة لبناء مستقبله والاستعداد للزواج، قبل أن يتلقى خبر إنهاء عقده، ويعلق هنا: "كنت أحلم أن أبني مستقبلي وأتزوج مثل باقي الشباب، لكن قرار إنهاء العقد غيّر كل شيء".

اليوم، ينشغل بتدبير إيجار المنزل وفواتير المياه والكهرباء، بعدما فقد مصدر دخله الوحيد، وبخسارة الوظيفة، فقد راتبه والخيط الرفيع الذي كان يشده نحو مستقبل يتخيله لنفسه، حتى في أحلك ظروف تمر على القطاع تحت الإبادة.

ويرى أن القرار جاء في توقيت بالغ الصعوبة، حيث تتراجع فرص العمل إلى حدها الأدنى، بينما تتسع رقعة الفقر والحاجة في مختلف أنحاء القطاع.

وتزامن إغلاق عدد من نقاط التوزيع في قطاع غزة مع إعلان المطبخ العالمي تسريح نحو 500 موظف وتقليص عدد الوجبات اليومية من مليون إلى 200 ألف فقط.

وبين كشوفات الأسماء التي شملها التسريح، كان اسم صبحي أبو عميرة (33 عامًا) حاضرًا أيضًا، إذ لم يتوقع هو وزملاؤه أن تنتهي تجربتهم هكذا، خصوصًا بعد أشهر طويلة من العمل المتواصل في ظروف استثنائية.

يتذكر لحظة إبلاغهم بالقرار قائلًا: "تفاجأنا جميعًا بعدم تجديد العقود دون أي سابق إنذار، بحجة نقص التمويل ووجود قرار صادر من الخارج"، مشيرًا إلى أن العاملين كانوا جزءًا أساسيًا من جهود توزيع الطعام خلال الحرب، وساهموا في إيصال الوجبات إلى مئات آلاف المحتاجين في مختلف مناطق القطاع.

يزيد: "كنا جزءًا من هذا العمل منذ بدايته، وبذلنا كل ما نستطيع حتى وصل إنتاج المطبخ إلى مليون وجبة يوميًا. وحين تحقق ذلك، وجدنا أنفسنا خارج المشهد".

وتزامن إغلاق عدد من نقاط التوزيع في قطاع غزة مع إعلان المطبخ العالمي تسريح نحو 500 موظف وتقليص عدد الوجبات اليومية من مليون إلى 200 ألف فقط.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير