الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بين جدران منزلٍ مستأجَرٍ مهترئ، يقف ياسر أحمد مقبل متكئًا على ما تبقى من ذاكرته، لا على الجدران التي لا تشبه بيته. منذ أن اجتاحت الفوضى مخيم نور شمس، على بعد حوالي 3 كيلومترات شرقي مدينة طولكرم، شمالي الضفة الغربية، لم يعد يحمل معه سوى صور منازل سُوّيت بالأرض، ودفاتر ديونٍ تثقل خطاه، وسؤالٍ مفتوح عن نهاية الشهر القادم: هل سيتمكن من دفع الإيجار؟ أم سيُضاف هذا البيت المؤقت إلى قائمة الخسارات؟
خسر ياسر ثلاثة منازل دفعة واحدة؛ منزله، ومنزل والده، ومنزل ابنه في حارة المنشية. ومع ذلك، لم يصل إليه بدل الإيجار الذي قيل له إنه سيصله من بين "الأسماء الأولى" المستحقة.
بين شيكاتٍ متراكمة لأقساط سيارة دُمّرت بفعل جرافات الاحتلال العسكرية، وضيقٍ يطبق على يومه، لا يجد ياسر سوى جملةٍ يكررها كخلاصةٍ مُرة: "الشكوى لغير الله مذلّة". جملة تختصر عجز الفرد، لكنها تفتح بابًا أوسع على سؤالٍ جماعي: هل وصلت المساعدات فعلًا إلى من يحتاجها؟
الشاويش: "العقدة الكبرى في ملف بدل الإيجار؛ إذ لا تزال خمسمئة وثلاث وثمانون عائلة بلا أي مساعدة حتى اليوم".
في مكتبٍ صغير على أطراف المخيم، يجلس نهاد الشاويش، رئيس اللجنة الشعبية في نور شمس، محاطًا بملفاتٍ تتكدس فيها شكاوى النازحين. الإرهاق ظاهر على ملامحه، ليس من ضغط العمل فحسب، بل من محاولة سد فجوةٍ تتجاوز قدرة لجان المخيم.
يقول: "إن عدد النازحين من مخيم نور شمس وحده بلغ نحو ثلاثة عشر ألف شخص، موزعين على ألفين وسبعمئة عائلة اضطرت لترك بيوتها منذ بداية العملية العسكرية".
ويشير إلى أن اللجنة استطاعت تقديم مساعدات لنحو ألفين وثلاثمئة وخمس وأربعين عائلة، بقيمة إجمالية وصلت إلى مليوني شيكل، رقمٌ يقرّ الشاويش نفسه بأنه لا يقترب من حجم الاحتياج الحقيقي.
ويوضح أن الأولويات وُضعت للمرضى بأمراض مزمنة في توفير الدواء، وللرّضع في الحليب والحفاضات والفوط الصحية، وللعائلات الأكثر هشاشة في المساعدات الغذائية. غير أن العقدة الكبرى -وفقًا له- بقيت في ملف بدل الإيجار؛ إذ لا تزال خمسمئة وثلاث وثمانون عائلة بلا أي مساعدة حتى اليوم.
يرفض الشاويش فكرة "الخيام" رفضًا قاطعًا، واصفًا إياها بأنها "إهانة لا تُقبل"، ويضيف بحدّة: "إذا المحافظ بعيش بخيمة، يورّجينا".
ويضيف: "الاتفاق كان يقضي بأن تغطي الأونروا جزءًا من العائلات، فيما تتولى السلطة تغطية البقية، قبل أن تصطدم اللجنة بسحب مخصصات بدل الإيجار لصالح الرواتب"، وهو ما أُبلغوا به من قبل الوكالة، وفق قوله. ثم يكشف، بلا مواربة، أن عائلته واحدة من العائلات التي لم تحصل على أي بدل حتى الآن.
ولا تتوقف الأزمة عند الإيجار. فالبلديات، بحسب الشاويش، عجزت عن تغطية الاحتياجات الأساسية؛ إذ أن 80% منها لم توفّر المياه بشكل منتظم للنازحين، فيما لم تلتزم 40% بتوفير الكهرباء. ونتيجة لذلك، تحمّل النازحون فواتير المياه والكهرباء طيلة تسعة أشهر، واضطرت بعض العائلات إلى ترك أطفالها لساعات طويلة بلا كهرباء؛ لعجزها عن سداد المستحقات.
أما الخيام، فيرفضها الشاويش رفضًا قاطعًا، واصفًا إياها بأنها "إهانة لا تُقبل"، قبل أن يضيف بحدّة: "إذا المحافظ بعيش بخيمة، يورّجينا".

في المقابل، تقدّم رئيسة لجنة الإغاثة والخدمات الاجتماعية في الضفة الغربية لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، لبنى مضية، رواية مختلفة في تفاصيلها.
تؤكد أنها لا تملك معطيات دقيقة حول النقاشات التي جرت بين الوكالة والسلطة بشأن بدل الإيجار، لكنها تتحدث بثقة عن المعايير التي اعتمدتها الأونروا في توزيع المساعدات.
تقول: "العمل جرى بتنسيق متواصل مع مؤسسات الضمان الاجتماعي ومنظمة "أوتشا" والجهات الشريكة، وبعلم وزارة التنمية الاجتماعية، منذ اللحظة الأولى للاجتياحات العسكرية في شمالي الضفة الغربية.
وتوضح أن الوكالة اعتمدت منهجًا قائمًا على قياس مستويات الهشاشة داخل الأسر، فخُصص مبلغ ثلاثة آلاف شيكل لثلاثة أشهر للعائلات التي تعيلها نساء، أو تضم كبارًا في السن، أو أطفالًا دون الثامنة عشرة، أو عائلات كبيرة العدد، أو أسرًا تضم رضعًا، أو أشخاصًا من ذوي الإعاقة، أو مرضى بأمراض مزمنة.
مضية: "أونروا قدمت مساعدات نقدية طارئة خلال العملية العسكرية غطّت (4690) عائلة، بواقع 1640 شيكلًا لكل أسرة".
ووفق هذه المعايير، شملت المساعدات ثلاثة آلاف وأربعًا وسبعين عائلة من مخيمي طولكرم ونور شمس، بقيمة إجمالية بلغت نحو تسعة ملايين ونصف المليون شيكل.
وتضيف مضية: "مؤسسات أخرى، مثل (معًا) و(العمل ضد الجوع) و(الإسكان)، قدّمت دعمًا لبدل الإيجار لنحو ألف وثلاثة وخمسين عائلة خلال أشهر حزيران وتموز وآب، بقيمة مماثلة، مع التحضير لصرف دفعات جديدة للأشهر الثلاثة اللاحقة". كما يجري العمل، بحسب قولها، على تحويل ثلاثمئة وسبع عشرة عائلة إضافية للاستفادة من الدعم.
وتشير كذلك إلى أن "أونروا" قدمت مساعدات نقدية طارئة خلال العملية العسكرية غطّت (4690) عائلة، بواقع ألف وستمئة وأربعين شيكلًا لكل أسرة، ما يعني –وفق تقديرها– أن معظم النازحين تلقوا دعمًا مباشرًا خلال فترة النزوح.
كميل: "لم يجُع أحد في طولكرم، ولا أحد نام في الشارع، وإجمالي ما صُرف من مساعدات نقدية وعينية تجاوز ثمانية وثمانين مليون شيكل".
على الضفة الأخرى من الروايات، يقدّم محافظ طولكرم عبد الله كميل صورة مغايرة تمامًا. يرى أن ما تنقله اللجان الشعبية والنازحون لا يعكس الواقع كما جرى، ويقول: "المحافظة شكّلت لجنة مركزية حملت اسم (لجنة الكرامة للإغاثة والإيواء)، ضمّت وزارات ومؤسسات رسمية وشعبية، بهدف تنظيم العمل ومنع الفوضى".
ويشير إلى إنشاء بوابة إلكترونية لتسجيل النازحين، وإلى وجود لجنة رقابة اكتشفت حالات لأشخاص يملكون منازل خارج المخيمات ويطالبون ببدل إيجار، بل "أشخاص لديهم عمارات ويريدون إيجارًا أيضًا"، على حد تعبيره.
ويرد المحافظ على اتهامات التقصير بالتأكيد أن "أحدًا لم يجُع في طولكرم، ولا أحد نام في الشارع"، مشيرًا إلى أن إجمالي ما صُرف من مساعدات نقدية وعينية تجاوز ثمانية وثمانين مليون شيكل.
أما الخيام، فيراها "لائقة"، ويقول إن "توزيعها تم بناءً على رغبة أصحاب الأراضي، وإن عدد ما وُزّع منها لم يتجاوز ثلاث عشرة خيمة من أصل أربعين خيمة خُصصت للمخيمين". غير أن هذه الرواية لا تجد صدى لدى كثير من النازحين.

أيمن حسن غريفي، نازح يعاني من فشل كلوي وإعاقة بصرية ويعيل ستة أفراد، يخبرنا أنه حصل على بدل إيجار لثلاثة أشهر فقط، لكنه اضطر للاستدانة حتى لشراء علبة حمص وباذنجان.
ويؤكد أن المساعدة لم تكفِ لإعالة أسرته، خاصة بعد توقف مخصصات الشؤون الاجتماعية التي كانت تبلغ سبعمئة وخمسين شيكلًا. يصرخ بانفعال: "من شان الله حدّا يتطلع علينا.. وين الشؤون؟ وين الحكومة؟".
وتروي نازحة أخرى، وتُدعى روان حسين، أنها اضطرت لصرف كامل بدل الإيجار على الطعام خلال شهر رمضان الماضي، بعد انقطاع المساعدات، رغم أنها وضعت مولودها بعملية قيصرية داخل مدرسة، في ظروف صحية ونفسية قاسية.
ويعود نهاد الشاويش للرد على رواية المحافظة، عادًا "اختزال المأساة في ثلاثة أشهر بدل إيجار" لا يعكس واقع عائلات نزحت عشرة أشهر كاملة.
الشاويش: "اختزال المأساة في ثلاثة أشهر بدل إيجار، لا يعكس واقع عائلات نزحت عشرة أشهر كاملة".
ويصف أوضاع المدارس والخيام بأنها "غير إنسانية" وتمس بالكرامة، مؤكدًا أن النازحين يعيشون تحت عبء ديون هائلة، وأن "من يقول غير ذلك لم يرَ الناس فعلًا".
ويشدد على أن نشر قوائم المستفيدين هو الطريق الوحيد لإثبات الشفافية، وهو إجراء لم تُقدم عليه أي جهة رسمية حتى الآن.
تبقى الفجوة بين الروايات أوسع من أن تُردم بسهولة. فبين ما تعلنه المحافظة عن صرف ثمانية وثمانين مليون شيكل، وما تتحدث عنه اللجان الشعبية من وصول مليوني شيكل فقط إلى المخيمات، يظل السؤال معلقًا: أين ذهبت المساعدات؟ وكيف بقيت نحو ألفٍ وأربعمئة عائلة بلا أي بدل إيجار حتى هذه اللحظة؟
وبين ثلاثة وعشرين ألف نازح من مخيمي طولكرم ونور شمس، وأكثر من أربعة آلاف وستمئة عائلة هجّرتها العمليات العسكرية، وألفٍ وأربعمئةٍ وأربعين وحدة سكنية دُمّرت كليًا، وألفين ومئتين وثلاثٍ وثمانين وحدة تضررت جزئيًا، تبرز حقيقة واحدة لا تخطئها العين: آلاف العائلات ما زالت بلا بيت، وبلا دخل، وبلا إجابة واضحة عن مصير حقها في الإغاثة.
























