شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 05 يونيو 2026م19:08 بتوقيت القدس

مروان حرزالله.. حين أكملت السجون ما بدأته الرصاصة

04 يونيو 2026 - 18:04

الضفة الغربية:

بينما كان صوته ينساب في أروقة "تلفزيون فلسطين" مهندسًا للصوتيات، كان مروان حرزالله يواصل حياته كما اعتاد منذ ثلاثين عامًا؛ يتكئ على طرفٍ صناعي تركته له رصاصات الاحتلال، ويمضي في حياة انتزعها من الإصابة.

ففي عام 1995، بترت قوات الاحتلال إحدى قدميه خلال اقتحام مدينة نابلس، لكن الإصابة التي غيّرت شكل حياته لم تنجح في كسر إرادته، عاش مروان بطرفٍ صناعي، وعمل، وتزوج، وربّى أبناءه السبعة، غير أن الاحتلال الذي عجز عن إنهائه برصاصه، أعاده إلى دائرة الاستهداف بعد ثلاثة عقود.

في كانون الثاني/ يناير لعام 2026، اقتحمت قوات الاحتلال منزله في نابلس واعتقلته رغم وضعه الصحي، لتنقطع أخباره تدريجيًا خلف جدران السجن، قبل أن يصل إلى عائلته خبرٌ لم تكن مستعدة لسماعه، حيث أعلن استشهاده في الثامن والعشرين من آذار/ مارس الماضي داخل سجن "مجدو".

لم تشرح إدارة السجون الإسرائيلية كيف استشهد، ولم تقدم رواية واضحة لظروف وفاته، كما لم تسلّم جثمانه لعائلته، ليضاف الاحتجاز إلى الموت، وتتحول خسارة العائلة إلى جرحٍ مفتوح لا ينتهي.

أعلن استشهاده في الثامن والعشرين من آذار/ مارس الماضي داخل سجن "مجدو".

يقول شقيقه فتحي حرزالله: إن مروان واجه الحياة كلها بطرفٍ صناعي، ولم يستسلم يومًا، كان يعمل ويكافح ويهتم بعائلته وأطفاله السبعة، ولم يسمح لإصابته أن تكون عائقًا أمامه، مضيفًا: "كان محبوبًا من الجميع، تحمل مسؤوليات أكبر من عمره بعد وفاة والدنا مبكرًا بمرض السرطان وكبر وهو يحمل صفات القوة والسند حتى أصبحت العائلة كلها تعتمد عليه".

ويتابع فتحي أن مروان كان يتمتع بصحة جيدة قبل اعتقاله، وأن الأسرى الذين أُفرج عنهم من القسم ذاته في سجن "مجدو" كانوا ينقلون أخبارًا مطمئنة عنه، لذلك جاء خبر استشهاده مفاجئًا وصاعقًا.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت العائلة رحلة بحث تنقلت فيها بين المؤسسات الحقوقية والرسمية، وطرقت أبواب الجهات المعنية، وسألت عن سبب الوفاة وظروفها، كما طالبت باسترداد جثمانه، إلا أن أسئلتها ما تزال معلقة، كما بقي الجثمان محتجزًا حتى اليوم.

فخلف أبواب السجون الإسرائيلية تتكرر الرواية نفسها بأسماء مختلفة، في ظل تصاعد غير مسبوق في أعداد الأسرى الذين استشهدوا منذ بدء الحرب على قطاع غزة، وبحسب معطيات نادي الأسير الفلسطيني، شهدت الحركة الأسيرة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 أخطر موجة استشهاد داخل السجون في تاريخها الحديث.

وتشير البيانات إلى استشهاد 89 أسيرًا ممن عُرفت أسماؤهم وهوياتهم منذ اندلاع الحرب، فيما ترجح مؤسسات الأسرى أن يكون العدد الحقيقي أعلى من ذلك، في ظل صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة حول معتقلي قطاع غزة.

ولا تكمن خطورة الرقم في حجمه فقط، بل في سرعته أيضًا، فما يقارب 27% من مجمل شهداء الحركة الأسيرة منذ عام 1967 سقطوا خلال الفترة التي أعقبت السابع من أكتوبر، وهو مؤشر يصفه حقوقيون بأنه غير مسبوق ويعكس تحولًا خطيرًا في ظروف الاحتجاز.

وترى مديرة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني أماني سراحنة أن ما يجري لا يمكن وصفه بـ"الإهمال الطبي"، موضحة أن هذا المصطلح لم يعد يعكس حقيقة ما يتعرض له الأسرى، قائلة إن ما يجري هو "جرائم طبية ممنهجة" تقوم على الحرمان المتعمد من العلاج، وتأخير التدخلات الطبية، وتقديم أدوية غير مناسبة للأسرى المرضى.

تشير البيانات إلى استشهاد 89 أسيرًا ممن عُرفت أسماؤهم وهوياتهم منذ اندلاع الحرب

وتضيف أن شهادات عديدة نقلها أسرى محررون تحدثت عن أوضاع صادمة داخل السجون، بينها عمليات بتر لأطراف دون تخدير كافٍ، وحرمان مرضى من العلاج الضروري، ما يجعل الرعاية الطبية نفسها أداة إضافية للعقاب والتنكيل.

ولا تتوقف الأزمة عند الشهداء فقط، فوفق سراحنة، يواجه نحو خمسة آلاف أسير مريض أوضاعًا صحية مقلقة داخل السجون من أصل ما يقارب 9350 أسيرًا فلسطينيًا، بينهم أكثر من 3400 معتقل إداري، و89 أسيرة، و350 طفلًا.

أما بعد الوفاة، فتبدأ معاناة أخرى، إذ تواصل سلطات الاحتلال احتجاز جثامين 79 أسيرًا شهيدًا أُعلن عن أسمائهم، في سياسة تحرم عائلاتهم من حق الوداع والدفن، وتُبقي الجثامين رهينة حتى بعد الموت.

وتوضح سراحنة أن سياسة احتجاز الجثامين شهدت تصاعدًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، بالتوازي مع غياب معلومات دقيقة حول مصير العديد من معتقلي قطاع غزة الذين لا تزال ظروف احتجازهم مجهولة.

هذه الصورة الحقوقية القاتمة تتقاطع مع ما يرصده المحامون الذين تمكنوا من زيارة المعتقلين أو متابعة ملفاتهم القانونية، وفي هذا السياق، يؤكد المحامي خالد محاجنة أن ما يجري داخل السجون ومعسكرات الاعتقال، وعلى رأسها معسكر "سديه تيمان"، لا يمكن التعامل معه باعتباره حالات فردية أو حوادث متفرقة.

ويكمل بأن معظم شهادات المعتقلين تتحدث عن أنماط متشابهة من الانتهاكات، تبدأ بحرمان الأسرى من العلاج أو تأخيره، وتمر بالتجويع وسوء ظروف الاحتجاز، ولا تنتهي عند التعذيب الجسدي والنفسي، مشيرًا إلى أن بعض المعتقلين، خصوصًا من قطاع غزة، أفادوا بتعرضهم لاعتداءات جسدية وجنسية خلّفت آثارًا صحية ونفسية خطيرة.

يواجه نحو خمسة آلاف أسير مريض أوضاعًا صحية مقلقة داخل السجون

ويرى محاجنه أن تكرار هذه الوقائع وتشابهها في أماكن احتجاز مختلفة يجعلها أقرب إلى سياسة ممنهجة منها إلى تجاوزات فردية، وأن هذا النمط من الانتهاكات يرقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب وفقًا لاتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني.ح

وينبّه إلى أن التحول الأكبر ظهر بعد السابع من أكتوبر 2023، حين بدأت إسرائيل، بحسب وصفه، "حربًا موازية" على الأسرى داخل السجون، كما برز التجويع بوصفه أحد أبرز ملامح المرحلة الحالية.

وبحسب المحامي، فإن نقص الغذاء أصبح جزءًا ثابتًا من حياة الأسرى اليومية، ولم تعد تأثيراته تقتصر على فقدان الوزن أو الإرهاق، بل وصلت إلى حد التسبب بتدهور صحي خطير، وساهمت في بعض الحالات بالوفاة.

ويحذر محاجنة من أن الأسرى المرضى، وخصوصًا المصابين بأمراض مزمنة وخطيرة، هم الفئة الأكثر عرضة للخطر في ظل التراجع الحاد في الرعاية الصحية.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير