قطاع غزة:
في أحد مخيمات النزوح جنوب قطاع غزة، يجلس سالم الندر وسط شبكة من الأسلاك المتشابكة كأنها عروق تمتد بين الخيام، يرقب عشرات الهواتف المحمولة المصطفّة بانتظار جرعة كهرباء، فيما يتكئ المشهد كله على لوحين للطاقة الشمسية نجوا من تحت أنقاض منزله الذي دمّرته الحرب.
لم تكن الألواح مشروعًا تجاريًا يومًا، كانت من بين أشياء قليلة استطاع سالم انتشالها من حياته السابقة قبل أن يدمر الاحتلال الإسرائيلي منزله ويجبره على النزوح من شمال القطاع إلى جنوبه مع بدايات حرب الإبادة.
يقول الندر إنه خسر عمله وكل شيء تقريبًا، ولم يبق معه سوى لوحي الطاقة الشمسية، فكّر بأن الناس تحتاج إلى شحن هواتفها وبطاريات الإنارة، فبدأ بخدمة بسيطة داخل المخيم، ثم أصبحت مصدر دخل يساعده على إعالة أسرته.
لم تكن الألواح مشروعًا تجاريًا يومًا، كانت من بين أشياء قليلة استطاع سالم انتشالها من حياته السابقة قبل أن يدمر الاحتلال الإسرائيلي منزله
في غزة التي تآكلت فيها الأسواق وتبعثرت مراكز التجارة تحت القصف، لم يعد البيع والشراء حكرًا على المحال والشوارع المعروفة. شيئًا فشيئًا، بدأت المخيمات تنسج اقتصادها الخاص، اقتصاد صغير الحجم لكنه واسع الحضور، يتشكل من حاجات الناس اليومية ومحاولاتهم المتكررة للإفلات من العوز.
على بعد أمتار قليلة من سالم، يقف شقيقه معتصم الندر خلف بسطة متواضعة للملابس المستعملة، يعلق أكوام الثياب على حبال الخيام أو المطوية فوق طاولة خشبية صغيرة، تحكي هي الأخرى قصة سوق ولد من الضرورة.
يجمع معتصم الملابس من عائلات تضطر إلى بيع ما فاض عن حاجتها أو ما لم يعد يناسب أطفالها، ثم يعرضها على نازحين آخرين بأسعار منخفضة.
يتحدث بأن الناس هنا لا تستطيع شراء ملابس جديدة، وفي الوقت نفسه هناك عائلات تبيع بعض مقتنياتها لتأمين الطعام، مضيفًا: "نحاول أن نخلق منفعة للطرفين، وفي النهاية نحصل على ربح بسيط يساعدنا على الاستمرار".
ما يفعله الشقيقان لم يعد حالة فردية، فداخل المخيمات ومراكز الإيواء الممتدة على طول قطاع غزة، ظهرت عشرات الأنشطة الصغيرة التي يديرها نازحون فقدوا وظائفهم وأعمالهم ومصادر دخلهم التقليدية، فوجدوا أنفسهم مضطرين إلى اختراع وسائل جديدة للبقاء.
في مدرسة مصطفى حافظ غربي غزة، والتي تحولت من صفوف دراسية إلى مركز إيواء مكتظ، تقف وصال أبو حطب أمام فرن بدائي لا يشبه الأفران التي اعتادت العمل عليها قبل الحرب.
كانت معلمة ومنشطة تربوية، لكن توقف العملية التعليمية وإصابة زوجها دفعاها إلى البحث عن باب رزق آخر، موضحة: "كنت أبحث عن أي وسيلة لإعالة أسرتي المكونة من ثمانية أطفال. أنشأت فرنًا صغيرًا لخدمة النازحين وتوفير الخبز مقابل أجر بسيط يساعدنا على مواجهة متطلبات الحياة".
تتابع وصال بأن الحياة داخل مراكز الإيواء دفعت السكان إلى ابتكار بدائل للأسواق التي دُمرت أو تعطلت بفعل الحرب، مشيرة إلى أن هذه المشاريع الصغيرة لا تؤمن دخلًا للعائلات فحسب، بل تتيح أيضًا للنازحين الوصول إلى احتياجاتهم الأساسية بالقرب من أماكن إقامتهم.
غير أن استمرار هذا العمل ليس مضمونًا دائمًا، فكل رغيف يخرج من الفرن يمر أولًا عبر أزمة الوقود وارتفاع أسعار الحطب والأخشاب، وحين تنفد الخيارات، تلجأ وصال إلى استخدام صناديق المساعدات الكرتونية لإبقاء النار مشتعلة.
أما رايقة أبو شاب، التي فقدت زوجها خلال الحرب، فقد وجدت نفسها مسؤولة وحدها عن إعالة أربعة أطفال، ومن قسيمة شرائية حصلت عليها ابنتها ضمن إحدى المساعدات الإنسانية، بدأت حكاية مشروعها الصغير.
تروي: "بدلاً من شراء احتياجاتنا مباشرة، اشتريت كمية بسيطة من البسكويت وبدأت ببيعها للأطفال داخل مركز الإيواء. كنت أبحث عن شيء يضمن لنا ثمن الخبز أو وجبة يومية".
الحرب دفعت النشاط التجاري إلى الهجرة من الأسواق والمراكز التقليدية نحو المخيمات ومناطق النزوح
كبرت البسطة تدريجيًا، وأضيفت إليها أصناف من السكاكر والعصائر والمسليات، لكن نقص السيولة النقدية بات يشكل عقبة متزايدة أمام استمرار المشروع وتطويره.
وفي قراءة لهذا التحول الاقتصادي، يقول المحلل الاقتصادي والمحاضر الجامعي سمير أبو مدللة إن الحرب دفعت النشاط التجاري إلى الهجرة من الأسواق والمراكز التقليدية نحو المخيمات ومناطق النزوح، بفعل الدمار الواسع وصعوبة الحركة والتنقل.
ورغم تواضع هذه المشاريع، فإنها تكشف عن قدرة استثنائية على التكيف مع واقع قاسٍ، ولا يقيس الاقتصاد هذا نجاحاته بحجم الأرباح، بل بعدد الأيام التي تستطيع الأسر أن تعبرها بأقل قدر ممكن من الخسارات.
ويختم أبو مدللة بأن هذه الأسواق الصغيرة والعشوائية أصبحت مصدرًا رئيسيًا لتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان، كما ساهمت في خلق فرص دخل مؤقتة للأسر النازحة، والحفاظ على حد أدنى من الحركة الاقتصادية رغم الانهيار الذي أصاب قطاعات واسعة من اقتصاد غزة.
























