شبكة نوى، فلسطينيات: دعاء شاهين- شبكة نوى
في خيمتها الصغيرة بمخيم النازحين في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، تجلس النازحة "شاهيناز" تحيط بها خيوط الصوف الملونة.
تنشغل السيدة الخمسينية في حياكة الصوف باستخدام السنارة بمهارةٍ عالية، حتى ينتهي بها المطاف بإنتاج قطعٍ صوفية تمنحها للنازحين بكل حب وعطاء.
مرت شاهيناز بكر (٥٨ عامًا) برحلة نزوح قسرية قاسية جدًا، إذ أُجبرت على ترك منزلها في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، بعد أن شن جيش الاحتلال الإسرائيلي أحزمةً نارية على المربع السكني التي تقطن فيه، مما دفعها للفرار بعد أن شاهدت الموت بأم عيينها ونجت منه بأعجوبة.
تقول: "هربتُ من منزلي بخوف وقلق كبيرين. الأحزمة النارية كانت تحيط بنا من كل جانب، لم نأخذ شيئًا من المنزل وخرجنا دون أمتعة مرتدين ملابسنا التي كانت علينا فقط، وتوجهنا إلى الجنوب عبر الممر الآمر الذي أقامه جنود الاحتلال، ومشينا مسافات طويلة ذقنا خلالها الويلات".
تضيف: "أعيش الآن في خيمة مع أبنائي، تفتقد لأبسط مقومات الحياة. تطير من شدة الريح والزوابع، فنظل طوال الليل في العراء تحت المطر، والبرد يقتلنا".
تعيش شاهيناز وسط عشرات النازحين الذين يشاركونها نفس الحال المأساوي بالنزوح، مما دفعها للتفكير بمساعدتهم قدر المستطاع، مستثمرةً حرفة حياكة الصوف التي تتقنها، وكانت تعمل بها قبل النزوح.
فقررت شراء خيوط صوف والعمل على صنع قطع ملابس صوفية تحمي النازحين من البرد، لا سيما أنهم خرجوا بدون أمتعة، ولا يمتلكون المال لشرائها حتى.
وفي إحصائيةٍ لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، فإن عدد النازحين في مختلف أنحاء قطاع غزة وصل إلى نحو 1.7 مليون شخص منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
تتابع: "أشعر بحزنٍ وألم عندما أشاهد طفلًا صغيرًا يرتجف من البرد، أو إمرأة تبكي لأنها لا تجد ملابس تُلبسها لطفلها، فأحيك لها قطعًا صوفية تحميه بدون مقابل. كلنا نعيشُ نفس الظروف القاسية، لا يساعدنا أحد ولذا يجب علينا مساعدة بعضنا في هذه الأزمة الإنسانية قدر الإمكان".
تشتهر شاهيناز في مخيمات النزوح باسم "صانعة الفرحة"، فهي في كل قطعة صوفٍ تُنتجها وتهديها بدون مقابل لكل طفل يحتمي بها من البرد تصنع البهجة والسرور في قلبه، مما يمدها بطاقة إيجابية تشجعها أكثر على الاستمرار.
لم تكن النازحة شاهيناز تمتلك أيًا من خيوط الحياكة لصنع قطع صوفية بداية نزوحها، فطلبت من ابنها شراءها من الأسواق، لكنه وجد صعوبة كبيرة في العثور عليها، نظرًا لقلة توافرها بسبب الحرب والحصار الإسرائيلي على القطاع.
تشتري شاهيناز الملابس الصوفية من الأسواق المستعملة "البالة"، وتقضي ساعات طوال في فك خيوطها المعقودة، بمساعدة أحد أبنائها، وتعمل على إعادة تدويرها عبر استخدامها في النسيج مرةً أخرى، فتُنتج منها قطعًا صوفيةً جديدة ذات مظهر جميل، تتنوع مابين طواقي للرأس، وسترات، وقفازات، وفساتين للبنات الطفلات.
تكمل بكلمات عفوية: "بحب أشتغل لكل الناس، أي حد بطلب مني أنسج إله قطعة بنسجها، وما برفض طلب لأي حدا لأنه الناس بالمخيم بردانة كتيير ومافي ملابس بالسوق".
وعن أمنياتها فهي تتمنّى أن تقف الإبادة الجماعية بحق قطاع غزة، وتعود لمنزلها الذي قصفه الاحتلال الإسرائيلي فأحرق خيوط النسيج فيه فأصبحت رمادًا تحت الركام.
تختم: "تعبتُ كثيرًا من النزوح. أريد العودة لمنزلي وحارتي، وأن أنسج قطع الملابس حتى لو على ركام منزلي".
























