شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 13 مايو 2026م23:24 بتوقيت القدس

جدري الماء ينهش أجساد الأطفال في خيام النزوح

13 مايو 2026 - 20:42

غزة- شبكة نوى:

كانت الساعة تشير إلى السابعة صباحًا عندما أيقظت والدة الطفل محمد الحجار طفلها للذهاب إلى الخيمة التعليمية في غزة، لتبدأ معها رحلة معاناة جديدة في السيطرة على أعراض فايروس أصاب جسد طفلها.

بدأت الأم تتحسس حرارة جسده المرتفعة، وسرعان ما تحوّل قلقها إلى صدمة حينما شرعت في تحميمه بالماء، لتكتشف انتشارًا كثيفًا للحبوب على ظهره.

في اليوم التالي، بدأت الآلام تنهش جسد محمد مع توسّع رقعة الطفح الجلدي بشكل مخيف، ليوجهه الطبيب في النقطة الطبية القريبة بضرورة عزله التام بعد تشخيص حالته بفايروس "الجدري المائي".

عندما اتصلت الأم بالمدرسة لتبرير غياب طفلها، كانت الإجابة صادمة؛ إذ أُبلغت بأن محمد هو الحالة السادسة التي تُسجل في الفصل ذاته خلال 48 ساعة فقط، في مؤشرٍ واضح على سرعة تفشي العدوى بين صفوف الأطفال في قطاع غزة، حيث تحولت أماكن التجمع، التي كانت تهدف للحفاظ على ما تبقى من مسيرة التعليم، إلى بؤر لنقل الفيروس.

لم يتوقف الفيروس عند هذا الحد، بل اتسع نطاق انتشاره ليطال المزيد من الخيام؛ حيث تروي والدة الطفلة سارة الصباغ (7 سنوات)، قصة مشابهة، وتقول: "بدأت ابنتي تشكو من حكّة لا تتوقف طوال الليل، ظننت في البداية أنها بسبب انتشار الحشرات في الخيام، لكنها سرعان ما تحولت إلى بؤر مؤلمة تنتشر في كافة أنحاء جسدها".

وتضيف الأم: "الطبيب أخبرني بأن طفلتي مصابة بالجدري المائي، وأوصاني بضرورة توفير نظافة فائقة وعزلها لمنع نقل العدوى لإخوتها وبقية الأطفال، ولكن كيف لي أن أعزل طفلة في خيمة ضيقة تتشارك فيها كل العائلة مقومات الحياة المحدودة؟".

أطفالاً كثر يعيشون تحت وطأة آلام حادة في ظل صعوبة الحصول على العلاجات الأساسية والمسكنات المجانية، مما يجعل من الخيمة التي كانت ملاذًا للنجاة، بيئةً خصبةً لانتشار الوباء وتفاقم معاناة الصغار الذين لا يملكون سوى البكاء أمام عجز ذويهم.

في هذا السياق، أوضح الدكتور سامي أبو طه، أخصائي الجلدية لشبكة "نوى"، أن جدري الماء يُعد من الأمراض الفيروسية الموسمية التي تنشط عادةً في مثل هذا الوقت من العام، إلا أن الظروف الكارثية التي يواجهها النازحون داخل الخيام من اكتظاظ سكاني خانق وشح حاد في مواد التنظيف، قد سارعت في انتشار هذا الفيروس

وبيّن د. أبو طه أن الإصابة بالجدري لا تقتصر على الطفح الجلدي فحسب، بل يرافقها ارتفاع في درجة حرارة الجسم، إضافة لظهور حبوب بكثافة في مختلف أنحاء الجسد، تتسم بكونها مؤلمة للغاية وتسبب ضيقاً شديداً للمصابين،  وأكد أن إجراءات العزل، التي تُعد أبجديات مكافحة الفايروس، أصبحت في واقع المخيمات أشبه بالمستحيلات.

هذه التحذيرات الطبية يتقاطع معها توصيف الدكتور جميل سليمان، رئيس مستشفى الرنتيسي للأطفال، الذي يؤكد أن القطاع يعيش أزمة صحية بنيوية أعمق، ويوضح د. سليمان أن جدري الماء ليس التهديد الوحيد، بل هو جزء من منظومة أمراض جلدية ومعدية تنهش أجساد الأطفال نتيجة التلوث البيئي الناتج عن تراكم النفايات في أزقة المخيمات، وانتشار القوارض والحشرات، ومخلفات الحيوانات بالقرب من أماكن النزوح.

 ويشدد رئيس المستشفى على أن التكدس السكاني داخل مراكز الإيواء يسهم بشكل مباشر ومضاعف في تسريع انتقال العدوى، مما يضع القطاع الصحي أمام تحديات استثنائية تفوق قدراته المحدودة في توفير الرعاية الكافية.

ويطالب د. سليمان بضرورة التحرك الفوري لتوفير مستلزمات النظافة الأساسية ومعقمات المياه، وإيجاد حلول جذرية لمعضلة الاكتظاظ، مع تكثيف حملات الرش الوقائي لمكافحة نواقل الأمراض، وتوفير الأدوية اللازمة للتعامل مع الأمراض الجلدية والمعدية قبل أن تتحول إلى أزمة صحية مزمنة تهدد حياة الأطفال.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير