غزة:
"لم تكن تغطية العدوان سهلة. ولن تكون يومًا، التهدئة في غزة استثناء. العدوان هو الغالب"، تقول الصحافية مرح الوادية، وقد انتهت للتو من إجراء مقابلة مع عائلة أحد الشهداء ضحايا العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة.
تحاول مرح جاهدةً إخفاء دموعها، فهي لا تصدق أنها خرجت من هذه الجولة حية ترزق، بعدما كانت كما كافة سكان قطاع غزة اسمًا محتملًا في أي جنازة! تضيف: "هذا القلب يذوب ألمًا على عائلات فقدت أحبّة، وآخرون تهدّمت بيوتهم وضاع شقاء العمر في لحظات، وأمهات يجاهدن عبثًا لتهدئة رعب أطفالهن، فكيف يكون الأمر بالنسبة لصحافيةٍ وأم"!
عند الضربة الأولى، تخبرنا مرح: "يكون تفكيري متوازنًا بين ضرورة الاستمرار في العمل، وبين احتضان طفلي عمر. لكنه القدر! أو ربما تخصص الصحافة، الذي اخترتُه ورغبت به مذ كنتُ طفلة. وعليّ دفع ثمنه في كل آن".
الأصعب بالنسبة لمرح التي تعمل صحفيةً في موقع "نوى"، أن زوجها أنس أبو دية أيضًا مصوّر صحفي، وعند النزول للميدان ينقسم القلب شطرين، تقول: "في المنزل يتواجد عمر مع جدّته، وهنا، وفي كل منزل نحاول لجم إيماءاتنا حين نسمع قصة أصحابه، هكذا حياتنا، تتغذى قلوبنا على الآلام، ونعيش مأساة دائمة".
تختم: "أظن أنني لو لم أمت بالقصف يومًا سأموت بالخوف منه! أو ربّما من الأسى وكل ما أكبته في قلبي من مشاعر لا مجال لتفريغها، نشارك الناس قصصهم التي تنحبس بداخلنا وتنمو. هل من معجزة توقف الموت في غزة؟ أتساءل دومًا".

ماذا لو كنت أنا وعائلتي!!
عبد الله مقداد مراسل التلفزيون العربي، فاجأه العدوان مثلما فاجأ الكثير من الصحافيين والصحافيات الذين اعتادوا قراءة المشهد السياسي وتطوراته يوميًا، وكان هذا مدخلًا للإرباك، خاصةً مع وجود خطة طوارئ تتطلب إدخال معدّاتٍ حال الحصار دون وصولها حتى الآن، لكن سرعان ما تماسكوا للتغطية بما هو متاح.
"خطورة الميدان هي ذاتها في كل العدوانات التي خبِرنا تغطيتها، مشاهد الدمار التي تقتل أرواحنا، ووداع الشهداء علقمٌ نعيشه لحظةً بلحظة. وكأن هذا العذاب مكتوبٌ علينا دومًا"، يقول عبد الله، وهو أبٌ لأربعة أطفال يقتلهم الرعب خوفًا عليه كما يؤكد.
يكمل: "عندما حدثت الضربة الأولى غادرت بيتي فجرًا نحو العمل، أطفالي شعروا بالخوف طبعًا وأنا بدوري كنت قلقًا عليهم لأنني سأتركهم في هذه الظروف التي يحتاجون فيها إلى حضن أبيهم. قضيتُ أول يومين بالكامل في التغطية، وعندما عدت كان الوقت متأخرًا فالتفّوا حولي وكأنهم يريدون أن يشبعوا مني، لكن صدقًا بعد كل ما شهدته لم أكن بحالة نفسية تسمح لي بالكثير من الكلام".
في أول أيام العدوان، وعندما كان يغطي آثار استهداف شقة الشهيد القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، والأسير المحرر المبعد من جنين طارق عز الدين، شاهد طفله الصغير الناجي، وزوجته. كان عبد الله في وادٍ آخر، فكل ما سيطر عليه هو تخيّل المشهد، متساءلًا: "كيف لإنسانٍ نائمٍ بشكل عادي بين أفراد أسرته، أن يتخيل أن هذه نومته الأخيرة؟ صراخ طفله لن يمحى من ذاكرته، هكذا يقول.

عينٌ على غيث
اتصال هاتفي طارئ بعد منتصف الليل. تحزم المصورة الصحافية مريم أبو دقة عدسات الكاميرا، وبعض مستلزمات التغطية، ثم تقلّب المواقع الإخبارية سريعًا، ومع قدوم السيارة تودّع طفلها غيث، وتنطلق من بيتها أقصى شرق مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، صوب مكتبها في غزة.
ومثل عبد الله أيضًا كانت هذه الضربات مفاجئةً لمريم التي تجزم أن التصعيد المحدود الذي استمر ليومين سبقا هذه الأحداث إثر استشهاد القيادي خضر عدنان، جعلت كل التوقعات ذاهبة باتجاه التصعيد الخطير الذي حدث.
تقول مريم التي تعمل مع صحفية "الاندبندنت" البريطانية: "الخروج من أقصى شرق مدينة خانيونس ليلًا بحدّ ذاته مغامرة محفوفة بالمخاطر، ولكن كما يقولون فالمهنة طلبت سواعدها، والاحتلال لا يفرّق بين صحافي وغيره، كلنا أهداف. كان التنقل بين المحافظات مغامرة ومخاطرة لا بد منها، فوصول الصورة إلى العالم ثمنه كبير، ونحن العين الثالثة الناقلة لجرائم الاحتلال، ولهذا نحن أيضًا هدف ثمين بالنسبة له".
أربعة أيام لم تعد فيها مريم إلى البيت. واقعٌ مثيرٌ لقلق طفلها غيث ولوالديها الذين تركت طفلها معهم، لكن وسائل التواصل الحديثة، جعلت غيث يرى أمه صوتًا وصورة للتخفيف من معاناته وخوفه، "حدوتة آخر الليل رويتها له عبر الفيديو، وقبلة قبل النوم طبعتها على جبهته من خلال شاشة الهاتف"، تقول مريم.
لكن ثمة مشاهد قاسية على قلب مريم لا تستطيع تجاوزها كلما مرّت بجنازة شهيدٍ أو شهيدة، صراخ وبكاء عائلات الضحايا يفتح في قلبها جروحًا لا يمكن غلقها، لا سيما ذاك الصدع الغائر، الذي خلفه نقلها خبر استشهاد أحدهم في مسيرات العودة، الذي تبين لها لاحقًا أنه شقيقها، "وهل يثنينا هذا عن نقل الحقيقة؟ بالطبع لا" تختم.
























