شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 24 ابريل 2026م10:14 بتوقيت القدس

من قطاع غزة وتكتب تفاصيل الفقد والنزوح..

يوميات "الإبادة" موثّقة.. على حائط "مريم" الأزرق!

09 يناير 2025 - 12:01

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"في المساء يعود البشر المتعبون إلى بيوتهم، تعود الطيور لأعشاشها، حتى الشمس التي يُتعبها كد النهار تؤوب إلى السديم الكبير، أما نحن في غزة فلم يعد لنا بيوت نعود إليها.."  على شاكلة هذا النص، تحاول الكاتبة والشاعرة الفلسطينية مريم قوش، توثيق يوميات الإبادة في قطاع غزة.

منذ خمسة عشر شهرًا تحاول رصّ الكلمات على حائط الفضاء الأزرق، لتبقى شاهدةً على صمت العالم، وعجزه، أمام صمود ضحايا المدينة المنكوبة.

مُنحت "مريم" هبة الكتابة، فتسلحت بقلمها لتوثّق قصصًا سمعتها، وتجارب عايشتها بنفسها. كتبت روايات مبعثرة من هناك وهناك لضحايا وناجين، وكتبت يوميات الحرب عبر حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، وفق عاملين أساسيين: تأملات الكاتبة، والزاوية التي تريد من خلال النص التركيز عليها، وإيصالها لجمع القراء والمتابعين.

هناك حقيبة النزوح الثقيلة، وهنا صوت مسعف يرتجف وهو يردد "أحملوا الحرام منيح ليوقع، مليان شقف لحم"، ومن بعيد جنازةٌ تركض لشهيدٍ استعجل الرحيل، وما بين هذا وذاك روّاد الفن الذين أعدم الاحتلال إبداعهم بنيران صواريخه، ووسط تلك العتمة طاحونة القمح، تستدعيها من البلاد.. كيف لا؟ وهي ابنة المخيم، الذي يعرف جيدًا رائحة الأرز في لبنان، وياسمين دمشق.

تخبرنا: "لعل العادة هي التي دفعت بي نحو الكتابة قبل العدوان على غزة. كنتُ أدون عبر يومياتي كل ما أراه غريبًا، أو أصادفه في يومي، لكن ما حدث بعد الإبادة مختلف. حتى طبيعة الكلمة وروحها اختلفت".

لقد استفزت الغارات ومشاهد الدم مشاعر الأديبة والشاعرة التي تخبئها بداخلها، فأصبحت تُصوّر كل ما تراه عبر تلك الحروف، التي بات متابعوها من خارج القطاع، يعدّونها صورةً حيةً لما يحدث بغزة.

"ذكر الوقت في النصوص له هدف آخر، وهو إدراك المتلقي قيمة الزمن، وأهمية كل دقيقة بالنسبة للغزي".

تقول لـ"نوى": "لم أكن أتوقع انتشار تلك اليوميات كالنار في الهشيم بين المتابعين، لكن ردة فعلهم حفزت لدي المسؤولية، على الرغم من الألم والأذى النفسي الذي أعايشه وأنا أنتج كل يوم أدبًا يتحدث عن أشكال الموت في غزة"، ملفتةً إلى صعوبات كبيرة تواجهها في الكتابة، "كون القصص تتشابه إلى حد كبير، بينما الأدب يحتاج إلى لغة وتغذية مستدامة.. تمامًا كما الطفل ليكبر".

تكتب مريم قصصها باليوم والتاريخ والمكان، عادةً ذلك جزءًا أصيلًا من عملية التوثيق للنص والحدث، "فما يحدث في خيمة تختلف خصوصيته عن المنزل أو السوق أو الركام أو المستشفى"، مشيرة إلى أن ذكر الوقت في النصوص له هدف آخر، وهو إدراك المتلقي قيمة الزمن، وأهمية كل دقيقة بالنسبة للغزي، "فالتأخير بإنهاء تلك الإبادة، يعني فقد أرواح جديدة في كل ثانية".

تضيف: "الوازع الأخلاقي هو ما يحثني على الاستمرار في رواية وجع الفقد لدى أم مكلومة، وحرقة العجز في صدور الفتيات والنسوة تحت ظل الخيمة.. تلك الصفعة في صفحات العدوان، التي لن تنطوي ذكرياتها بانتهائه".

تحكي مريم عن الأسرى، كي يعرف العالم أوضاعهم في السجون الإسرائيلية، ومرارة الاعتقال تحت سطوة وجبروت سجانيها. تحكي عن المداهمات البرية الدامية للمنازل والمستشفيات، والحصار، والمجاعة، وكل شيء لم ترفع الستائر عنه بعد ليرى النور عبر كاميرات الإعلام.

كثيرًا ما تفتح مريم صفحتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فتجد أحدهم وقد أرسل لها لتروي قصته، كما تسجل هي يومياتها في نقل المياه، وشحن الهواتف، وغسيل الملابس، والمشكلات الاجتماعية، وقصص الجيران. تلك التفاصيل الحياتية الصغيرة التي عندما تخرج من غزة مرتدية ثوب العذاب، يفهم القارئ جيدًا معنى أن تعيش تحت وطأة الإبادة.

وعن التحديات تروي مريم: "فكرة أنني محاطة بالموت من كل جانب هذا وحده مرعب، لقد فقدت حتى اليوم الكثير من الأصدقاء والصديقات في مجالات الصحافة والكتابة والأدب والشعر. أنا أكتب عنهم كي لا يصبحوا أرقامًا"، مشيرةً إلى أنها فقدت سلامها النفسي مع الكتابة عن الموت في كل يوم، كونها لم تخصص لنفسها زاوية تلجأ إليها لترتاح من ذلك العبء، وتستعيد الحد الأدنى من توازنها في ظل الغارات المستمرة التي لا تتوقف.

فقدت مريم سلامها النفسي مع الكتابة عن الموت في كل يوم. إنها لم تخصص لنفسها زاوية تلجأ إليها لترتاح من ذلك العبء، أو لتستعيد الحد الأدنى من توازنها في ظل الغارات المستمرة.

بثوبها الفلسطيني المطرز بالدم والحناء وحرير المستحيل، بدمها الأرجواني المضيء تصعد الكاتبة ولاء الافرنجي للسماء"، بهذه العبارة على سبيل المثال، ودعت دعاء صديقتها ولاء، وبأخرى رثت أحد الصحافيين الشباب: "فجر اليوم استشهد الصحفي أيمن الجدي على باب مستشفى العودة بالنصيرات وهو ينتظر ولادة طفله الأول.. إنها مفارقات الحياة التي لا تنتهي، إنها القيامة حيث الحب والحرب يتشابهان كثيرًا".

تواصلت مع مريم دور نشر من داخل وخارج الوطن؛ لتجميع تلك القصص في كتاب، لكنها ترفض في الوقت الحالي، كون عملها لم ينتهِ بعد، "كما أن النصوص كثيرة جدًا ومتراكمة، يحتاج تجميعها لجهد كبير عدا عن مراجعة، والأهم من ذلك توافر الكهرباء باستمرار؛ لشحن الجهاز والتمكن من العمل الدؤوب على المحتوى؛ لتصبح النصوص التوثيقية للعدوان على غزة جاهزة للولادة من جديد في كتاب مطبوع" تزيد.

كاريكاتـــــير