غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تمشي بين الخيام في مخيم ملعب اليرموك، الذي يؤوي نازحين، شمالي قطاع غزة، فتستوقفك عباراتٌ كُتبت على القماش الذي أكلته شمس الصيف، ومزّقه ريح الشتاء.
"شدي حيلك يا بلدنا"، "لا للعنف"، "لسة في أمل" وعباراتٌ أخرى كثيرة خطّطها وجدي أبو شمالة، رافقتها بعض الرسومات التي أبدعتها ريشة طفلة لا يتجاوز عمرها 16 عامًا، واسمها سارة سعدة.
هذه العبارات واللوحات المصغّرة زيّنت المآوي المؤقتة للنازحين من مناطق شمالي القطاع وشرقه، تخبر كل من يمر بالمكان أن يبتسم، لأن الغد قادمٌ لا محالة، ولأن بعد هذه الظلمة نورٌ ساطعٌ ينتظر كل الثابتين هنا.
نزحت وجد من منطقة الشيماء في بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، مشيًا على الأقدام، وسط نيران المدفعية وقذائف الدبابات وطلقات الطائرات المسيرة، بما عليها من ملابس. لم يتح لها الوقت المحدد للنجاة أن تجلب ألوانها ودفاترها المخصصة للرسم الذي تعشقه، فلم تجد أمامها إلا واجهات الخيام التي تكدّست على مدّ النظر في المخيم.
بينما كانت تتأمل صخب الخوف في المخيم، وأنّات القادمين الجدد وهم يروون ما مروا به خلال الطريق، وجدت طريقها للهرب من جحيم التفكير إلى البحث عن أي ثغرةٍ تساعدها على استكمال هوايتها بالرسم. وقعت عينيها على مساحات بيضاء كثيرة، تغني عن مئات الأوراق، لكنها بدأت من خيمتها.
بدأت بنقل إحدى المشاهد التي صادفتها خلال النزوح: طفلتان تبكيان وتحتضنان بعضهما البعض، وما إن انتهت حتى وجدت الجميع يلتف حولها، مبديًا رأيه بفنها الجميل، الذي وجد طريقه وسط الدمار والموت.
تخبرنا: "بعد أن رسمت على خيمتي بدأت أستأذن أصحاب الخيام بالرسم على واجهات خيامهم، وكلهم رحبوا بالفكرة، لكن منهم من رفض ذلك خشيةً على خيمته"، مستدركةً: "لكنني وثقت كل ما رأيته من قصص بالمتاح، لأنني على يقين بأن القصص التي لا نرويها تصبح ملكًا لأعدائنا".
رسمت سارة سيدة تطبخ على النار وطفلها نائم إلى جانبها يفترش الأرض، كما رسمت سيدة ترفع رأسها إلى السماء وتدعو الله، وفتاة بثلاثة أوجه كدليل على الألم النفسي والاضطراب الذي سببه العدوان للسيدات والفتيات والأطفال بغزة، وامرأة تحاول صد اللكمات، كدلالةٍ على "العنف" الذي تتحمله النسوة في الخيام وحدهن، دون وجود أي جهة تقدم لهن المساعدة.
على الرغم من صغر سنها، تنبهت سارة للعديد من المشكلات التي تعاني منها النساء والفتيات في المخيم، وحاولت بقدر الإمكان نقلها على المساحات البيضاء، لعل متأملها يلاحظ مدى سوء ما يحدث، فينبهه لضرورة تغيير معاملته مع الآخرين، لا سيما مع النساء تحديدًا.
وتروي، أن هناك تحولًا كبير في لوحاتها عن ما كانت عليه قبل العدوان الذي شنته دولة الاحتلال على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، قائلةً: "حاليًا لا أدخل الألوان الزاهية لوحاتي، ولا أتناول الموضوعات التي قد توحي بالأمل والتفاؤل بشكل كبير. أستمر من ساعة لثلاث ساعات في توثيق مشهدٍ واحد باستخدام بقايا النار، وهنا نقطةٌ أخرى، إذ تأثّر نقص الأدوات لدي بجودة ما أرسمه".
تتلقى سارة، دعمًا وفيرًا من عائلتها -خاصة والدها ووالدتها- فيبدون رأيهم بما ترسمه ويعطونها بعض النصائح، بل ويبحثون معها عن أفكار للوحات جديدة، وجهات راعية ومؤسسات يمكنها تقديم المساعدة لها لتطور من مهاراتها، على أمل أن يروا لها معرضًا خاصًا بعد سنوات، تقدم للعالم من خلاله نتائج تجربتها الممزوجة بالنزوح والأمل.
عندما سألنا سارة عن التخصص الذي تختاره في المستقبل، أجابت بتهكم: "هل سأعيش لأرى اليوم الذي التحق به بالجامعة؟"، مضيفة: "أحلم بالالتحاق بكلية الفنون الجميلة لصقل مهاراتي بالعلم المناسب، وتطوير ما أُنتجه إذا أخطأتني تلك الغارات الهوجاء".
بدوره علق الخطاط مجدي أبو شمالة، أنه خلال تجوله في المخيم ذات يوم، شاهد سارة وهي ترسم إحدى لوحاتها، فاقترح عليها إضافة الخط العربي لعملها.
يقول: "في البداية خشيت أن تفسد تلك الإضافة ساعات من الوقوف على قدميها، لكن ما إن نقلت الفكرة لمسودة على الورق حتى لاحظت الفرق، فشرعت لترتيب المساحات والتأكد من التفاصيل الأخيرة وحدها بل وأبدت عددًا من التعديلات".
يكشف وجدي "لنوى"، أن لديه عشرات اللوحات التي تعتمد على الخط العربي وحده، وقد لاقت قبولًا واسعًا قبل العدوان على غزة، لكن ما أن اندلعت الحرب حتى صار الفن آخر ما يمكن أن يفكر الناس به، "فرغبتُ بإعادة مجد فن الخط العربي من خلال دعم موهبة سارة بعمل مشترك يجمع بينه وبين الرسم" يزيد.
يواجه وجدي أيضًا، عدة مشكلات أهمها: نقص المواد الخام، وعدم وجود خيام كافية ليتمكن من الرسم عليها، لذلك يفكر بنقل أعماله إلى الجدران التي ما زالت تقف مكانها في المدينة ولم يدمرها الاحتلال بعد.
ويختم بقوله: "أتمنى أن يتوفر لدي التمويل المناسب لأعطي دورات في الخط العربي داخل المخيم، وأيضًا في كتابة الشعر والرسم، وغير ذلك من الفنون العريقة".
























