غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لا تُفارق ملامح الرضا اليوم وجه السيدة زهية صالح (55 عامًا)، وهي من سكان السطر الغربي بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. فبعد أن كانت لا تقوى على القراءة والكتابة البتة، أصبحت تقرأ الرسائل التي تصل هاتفها المحمول من أبنائها عبر تطبيق "واتساب".
بدأت أم عماد الدراسة في سن الخمسين، وتمكنت –وفق حديثها لـ "نوى"- في غضون ثلاث سنوات، من أن تُنهي المرحلة الابتدائية، وفق مناهج وزارة التربية والتعليم لمحو الأمية وتعليم الكبار.
تقول: "إن الدافع الأساسي تمثّل في رغبتي بالتواصل مع أبنائي وأحفادي المغتربين في دولة الإمارات العربية عبر تطبيقات الاتصال الحديثة"، ناهيكم –والحديث لها- عن المشكلات التي كانت تمر بها نتيجة أخطاء التدوين لديون زبائن بقاليتها الصغيرة، الواقعة في المنطقة ذاتها.
تعقب: "كنتُ أجد حرجًا كبيرًا حين أطلب من الزبائن تدوين ما يأخذونه من سلع بالدين في دفتر البقالة، وهذا كان يحدث كثيرًا، لا سيما عندما لا يكون أحد من أحفادي برفقتي هنا"، مضيفةً: "والأدهى من الحرج، عمليات النصب التي تعرضتُ لها كثيرًا، فالبعض كان يوهمني أنّه دوّن ما أخذه من بضاعة، إلا أنه في الحقيقة الأمر لم يكن يفعل".
الآن تجاوزت السيدة الخامسة والخمسين، وأهم ما تمكنت من تحقيقه بهذه الخطوة –تردف- أنها صارت قادرة على قراءة آيات القرآن الكريم، وتحقيق عدد من الختمات في شهر رمضان الكريم.
هدف للعيش
في مدينة غزة، وتحديدًا في النادي النهاري لجمعية كبار السن، التقينا الستينية سمية بركات. كانت تدخل بخطواتٍ أثقلها وهن الجسد، وتقدم العمر، إلى صف محو الأمية وتعليم الكبار، تقول: "هنا وجدت هدفًا أعيشُ من أجله".
تعيش بركات حالةً من الوحدة بعدما انفض من حولها الأولاد والأحفاد كل واحدٍ منهم في بيته وعمله، ولكنها لم تركن لوحدتها –على حد تعبيرها- وقررت الالتحاق بمركز محو الأمية لتتعلم حروف اللغة، وهدفها من ذلك أن تتمكن من قراءة الأوراق الهامة حين يُطلب منها ذلك في الوزارات الحكومية.
تُشير إلى أنها وجدت فرصةً للانخراط مع من هنّ مثلها في التعلُّم وتناقل الخبرات، ناهيك عن اكتساب مهاراتٍ جديدة في فنون الحياكة والتطريز تجعلها قادرة على الإنتاج.
مناهج تعليمية مبسطة
وتتلقى النساء في مراكز محو الأمية التابعة لوزارة التربية والتعليم في قطاع غزة، مناهج تعليمية مبسطة تتناسب مع قدراتهن الإدراكية، وتُمكنهن من الحصول على الشهادة الابتدائية في المرحلة الأولى، ومن ثم الانتقال إلى الإعدادية والثانوية، ضمن برامج التعليم الموازي.
يقول جمال يوسف، نائب المدير العام في إدارة القياس والتقويم والامتحانات في الوزارة لـ "نوى": "المناهج التي يتم تدريسها في مراكز محو الأمية وتعليم الكبار، قائمة على دراسات تحليلية لتتوافق مع القدرات الإدراكية للطلبة، على اختلاف فئاتهم"، ملفتًا إلى أنهم يتوقون للوصول بمستويات الأمية في قطاع غزة إلى نسبة صفر%، "من خلال إتاحة الفرصة أمام الطلبة كبار السن الذين فاتهم قطار التعلم، والعمل على تطوير قدراتهم التعليمية بما يُمكنهم من الاندماج في المجتمع، وصولًا إلى مرحلة المشاركة في الإنتاج".
يوسف: "هناك حالة إصرار من قبل النساء في قطاع غزة للالتحاق بمراكز محو الأمية، حيث يُسجل في المراكز التابعة للوزارة عدد كبير منهن"
وأضاف: "هناك حالة إصرار من قبل النساء في قطاع غزة للالتحاق بمراكز محو الأمية، وتعليم الكبار، حيث يُسجل في المراكز التابعة للوزارة والمقدر عددها بـ 14 مركزًا في مختلف محافظات غزة عدد كبير منهن"، مؤكدًا وجود سيدات تجاوزن الستين عامًا ممن عاهدن أنفسهن على مواصلة هذا الطريق، حتى يتمكنَّ من تعلم مهارات القراءة والكتابة.
وتتوافق المراكز الأهلية مع وزارة التعليم بغزة على أهمية برامح محو الأمية وتعليم الكبار، إذ تقول نادية الهشيم منسقة المشاريع بنادي رعاية كبار السن: "إن استهداف النادي للسيدات في برامج محو الأمية، يأتي ضمن السعي إلى رفع مستوى الوعي بحقوقهن، وتزويدهن بالقدرات والمهارات والخبرات اللازمة للتمكن من توفير احتياجاتهن الأساسية"، مشيرةً إلى تنوع الأنشطة المجتمعية التي يُقدمها النادي بين تعلم القراءة والكتابة، ودورات الحياكة والتطريز، والأشغال اليدوية، فضلًا عن الأنشطة الترفيهية والتثقيفية.
وبيّنت أن ما تقوم النساء بإنتاجه من قطع تُحاكي التراث والثقافة الفلسطينية، يتم عرضه وتسويقه في معرض "ثوب وشال"، مما يُوفر لهن دخلًا رمزيًا يُحققن به احتياجاتهن الأساسية دون مسألة أحد.
صعوبات التعلم بعد الستين
من جانبها تؤكد المعلمة يسرى مطر، أن تدريس الطالبات ممن تجاوزن الستين عامًا، لا يخلو من الصعوبات. وتقول لـ "نوى": "أكثر الصعوبات حدةً تتمثل في تفاوت الإدراك بين المنتسبات لبرامج محو الأمية، وانشغالهن بأمور الحياة المختلفة"، ملفتةً إلى أن ذلك يُكثف من جهودها، ويتطلب منها تطويرًا لخبراتها كي تتمكن من إيصال المعلومة لهن، بما يتوافق مع قدراتهن الإدراكية.
معلمة: "المناهج التعليمية الخاصة بمحو الأمية وتعليم الكبار، تُراعي الفروق، ويتم تطويرها باستمرار من أجل تحقيق الهدف منها بإنهاء الظاهرة"
وشاركتها الرأي المعلمة رائدة، التي تعمل في أحد مراكز محو الأمية وتعليم الكبار بمدينة خان يونس، إذ قالت: "الإناث الأصغر سنًا، في العشرينيات وحتى الأربعينيات، هن الأكثر اقبالًا على الالتحاق ببرامج التعليم الموازي بعد الحصول على الشهادة الابتدائية، عقب الانتهاء من المستويين الأول والثاني في محو الأمية"، مؤكدةً أن المناهج التعليمية الخاصة بمحو الأمية وتعليم الكبار، تُراعي الفروق، ويتم تطويرها باستمرار من أجل تحقيق الهدف منها بإنهاء الظاهرة، والوصول إلى مستوى صفر% أمية بغزة".
صفر أمية
ومنذ قدوم السلطة الفلسطينية، اهتمّت وزارة التربية والتعليم ببرامج محو الأمية وتعليم الكبار، في إطار سعيها لاستعادة مكانة فلسطين بين الدول الأعلى نسبة تعليم في العالم، وأقل نسبة أمية في الدول العربية.
وبالعودة إلى يوسف، فإن نسبة التعليم في فلسطين وصلت إلى 97%، وعدد الأميين وفقًا للبيانات الإحصائية للوزارة قليل جدًا.
وينوه نائب المدير العام في إدارة القياس والتقويم والامتحانات، إلى أن عدد الملتحقين ببرامج الأمية وتعليم الكبار في قطاع غزة، لا يتجاوز 650 ذكورًا وإناثًا، في المستويين التعليميين الأول والثاني، حيث بلغ عدد الملتحقين بالمستوى الأول في فصول محو الأمية وتعليم الكبار، 361 طالبًا، بينهم 120 امرأة، و241 من الذكور، فيما بلغ عدد الطلبة في المستوى الثاني 266، منهم 81 من الإناث، و185 من الذكور.
يؤكد يوسف أن الطالب بمجرد الانتهاء من المستويين، يحصل على شهادةٍ مصدقة من وزارة التربية والتعليم، تعادل شهادة الصف السادس، ويتمكن من خلالها من الانضمام لبرامج التعليم الموازي، التي تتطور فيها طبيعة العلوم التي يتلقاها، وتؤهله للحصول على شهادة الإعدادية، ومن ثم الانتقال لمرحلة الدراسة الثانوية، وصولًا إلى أعلى درجة يرغب بالحصول عليها.
وتُشير البيانات إلى أن الملتحقين بالمستوى الأول في برامج التعليم الموازي، بلغوا 217 طالبًا منهم 61 امرأة، و156 رجلًا، فيما وصل عدد الملتحقين بالمستوى الثاني 210، بينهم 56 امرأة، و154 من الذكور.
وتعمد الوزارة في كل عام إضافة مراكز جديدة لمحو الأمية والتعليم الموازي في المديريات المختلفة، كما تعمل على تطوير مناهج خاصة وتطوير قدرات المعلمين العاملين في مراكز محو الأمية وتعليم الكبار والتعليم الموازي وصولًا إلى الهدف الاستراتيجي بتحقيق نسبة صفر% من الأمية في قطاع غزة.
























