شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 30 يونيو 2026م14:19 بتوقيت القدس

لا شهادة وفاة ولا عودة

زوجات المفقودين في غزة عالقات بين سؤالين

30 يونيو 2026 - 13:11

تتنقل أصابع سمية علوش (43 عاما) بين كومة من الأوراق والطلبات والوثائق المكدّسة أمامها في خيمتها بمخيم منارة الحياة في النصيرات وسط قطاع غزة، كأنها تبحث عن خيط يقودها إلى إجابة واحدة فقط: هل زوجها حي أم ميت؟
منذ اختفائه خلال العمليات العسكرية قبل أكثر من عامين، تحولت حياة الأربعينية إلى رحلة يومية من الانتظار والبحث والمراجعات القانونية ومحاولات إعالة أسرتها، بينما بقي مصير زوجها مجهولا.

وتقول سمية، وهي أم لأربعة أطفال، إن اختفاء زوجها وضعها في حالة من الترقب المؤلم لا تعرف له نهاية، موضحة: "أعيش بين احتمالين متناقضين، أبدأ يومي كزوجة تنتظر عودة زوجها، وأنهيه كأرملة تخشى أن يكون قد غاب إلى الأبد دون وداع أو خبر".

وتستعيد لحظة اختفاء زوجها بتفاصيل لا تزال حاضرة في ذاكرتها، وتضيف: "نزح مع عدد من الجيران من مدينة غزة في محاولة للوصول إلينا، وكان يفترض أن يصلنا خلال ساعات، وفي البداية اعتقدنا أن الاتصالات انقطعت فقط، ثم مر يوم كامل، ثم أسبوع، ثم شهر، دون أن يصل أي خبر عنه".

تتوقف للحظات قبل أن تكمل حديثها: "أصبح هاتفي لا يفارق يدي، أتابع كل قائمة جديدة تصدر، وكل خبر يتحدث عن معتقلين أو مفقودين، وأبحث عن اسمه في كل مكان، لعلني أعثر على ما يبدد هذا الغموض الذي يرافقني منذ اختفائه".

وتصف سمية حالة الانتظار بأنها أشد قسوة من تلقي خبر الوفاة، وتكمل: "إذا تأكدت وفاته فسأبكي وأحزن وأحاول التعايش، أما الآن فأنا عالقة، لا أستطيع الحداد عليه ولا أستطيع أن أطمئن أنه سيعود".

وبدأت المعاناة الحقيقية وفق سمية بعد الشهور الأولى من اختفائه، وتواصل: "كنت أعتقد أن المشكلة هي في غيابه فقط، ثم اكتشفت أن كل شيء في حياتنا مرتبط به، وعندما حاولت متابعة بعض الإجراءات بالحقوق المالية المتعلقة بالأسرة، اصطدمت بسؤال واحد يتكرر في كل مكان، أين الزوج؟".

وتوضح سمية: "لا أملك شهادة وفاة، ولا أملك وثيقة تؤكد أنه حي، وبالتالي أصبحت في وضع قانوني غامض، فهناك معاملات تحتاج توقيعه، وأخرى تحتاج إثباتا لوضعه القانوني، والجميع يطلب مستندات لا أمتلكها".

وعلى مدى الأشهر الماضية، راجعت سمية جهات مختلفة أملا في الوصول إلى معلومات عن زوجها، وتقدمت ببلاغات رسمية، وسجلت اسمه ضمن قوائم المفقودين، إلا أنها تخشى أن يكون قد رحل فعلا، وأنها تعيش على أمل لن يتحقق.

وحول تعامل الجهات الرسمية معها، تشير إلى أن الموظفين غالبا ما يبدون تعاطفا مع حالتها، لكنهم لا يملكون حلولا فورية، والجميع يخبرها أن الملف معقد، وأن هناك آلاف الحالات المشابهة، وأن التحقق من المصير يحتاج إلى وقت.

ومع استمرار غياب زوجها، تحولت سمية من زوجة تنتظر عودته إلى أم ومعيلة وحيدة لأسرتها، ولتأمين لقمة العيش، لجأت إلى أعمال مؤقتة ومتقطعة، في مساع مستمرة لتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة لأطفالها رغم الأعباء المتزايدة.

وإلى جانب الأعباء الاقتصادية والقانونية، تتحدث سمية عن ضغوط اجتماعية لا تقل قسوة، وتؤكد: "كلما التقيت أحدا يسألني، هل وصلكم خبر؟ هل تأكدتم من وفاته؟ هل تعتقدين أنه معتقل؟ وهي أسئلة تضاعف من وطأة الألم الذي أعيشه".

ومنذ اختفاء زوجها قبل عامين وأربعة أشهر، تحصي هناء الشرفا (31 عاما)، من حي الشيخ رضوان بمدينة غزة الأيام،  وتلاحق الزمن فيما يواصل الغياب المجهول نهش تفاصيل حياتها اليومية وإثقال كاهل أسرتها بأسئلة بلا إجابات.

وخرج زوجها من منزله في مدينة غزة خلال الأشهر الأولى من الحرب ومن ثم اختفى، ولم يعثر على اسمه بين قوائم الشهداء، ولم يظهر ضمن قوائم الجرحى أو الأسرى، ولم تتلق العائلة أي معلومة مؤكدة عن مصيره.

ولكن ما لم تكن هناء تعرفه آنذاك هو أن اختفاء الزوج يفتح أبوابا طويلة من التعقيدات القانونية والإدارية التي تضع المرأة في مواجهة أسئلة لا تملك إجابات عنها.

وتجلس هناء في غرفة ضيقة تستأجرها مع أطفالها الثلاثة، وتقول بصوت متعب: "كنت أظن أن أكبر مشكلة سأواجهها هي الحزن عليه، لكنني اكتشفت أن الغياب نفسه أصبح مشكلة قانونية واقتصادية ونفسية تلاحقني في كل مكان".

وتشير إلى أن هذا الوضع انعكس على أبسط تفاصيل حياتها قائلة: "كل جهة أراجعها تطلب مني إثباتا لوضع زوجي، ويسألون، هل هو متوفى؟ هل هو معتقل؟ هل هو مفقود رسميا؟ وأنا لا أملك جوابا قاطعا".

وتتوقف هناء قليلا قبل أن تكمل: "المشكلة أن بعض الجهات المانحة والمؤسسات تسأل عن الوضع القانوني للزوج، وهناك برامج مخصصة لأسر الشهداء، وأخرى لفئات مختلفة، لكن وضعنا يبقى غامضا لأن مصيره مجهول".

وتشرح: "زوجي كان يتولى كل المعاملات، وكان يحتفظ بالأوراق الرسمية ويتابع الإجراءات المتعلقة بالعائلة، وبعد اختفائه وجدت نفسي مطالبة بإدارة كل شيء، لكنني غالبا لا أمتلك الصفة القانونية الكاملة التي تمكنني من إنجاز بعض الإجراءات بسهولة".

ومن القضايا التي تثير قلق هناء قضية الحقوق المالية المستقبلية للأسرة، وتقول: "هناك أسئلة كثيرة تدور في رأسي، ماذا سيحدث إذا استمر الغياب سنوات؟ وماذا عن حقوق الأطفال؟ وماذا عن الممتلكات إن وجدت؟".

وترى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالمال، بل بالاستقرار القانوني للأسرة، وتكمل: "الإنسان يستطيع التكيف مع الفقر، لكنه لا يستطيع التكيف مع الغموض المستمر، فكلما طال الغياب ازدادت الأسئلة القانونية والاجتماعية تعقيدا".

تتابع: "ماذا لو استمر الوضع سنوات؟ كيف سأربي أولادي؟ كيف سأتخذ قرارات مصيرية تخص الأسرة؟ فحياتي كلها مؤجلة".

بدوره، يقول رئيس لجنة المفقودين في غزة الدكتور عمر نوفل إن بيانات برنامج "صحتي" أظهرت أن عدد بلاغات الفقد المسجلة بلغ 20,641 بلاغا، من بينها تأكدت وفاة أكثر من 15 ألف شخص، فيما لا يزال 5 آلاف شخص في عداد المفقودين حتى الآن.

ويضيف نوفل أن عدد المفقودين يتجاوز الأرقام المعلنة، وقد يصل إلى نحو 10 آلاف مفقود، ويعزى هذا التفاوت إلى عدة عوامل، من بينها وجود أقارب بعض المفقودين خارج البلاد، أو حالات يرجح أن جميع ذويهم قد قضوا، الأمر الذي حال دون الإبلاغ عنهم وتسجيلهم ضمن القوائم الرسمية للمفقودين.

ويوضح أن ملف المفقودين يتطلب تضافر جهود جميع المؤسسات والهيئات المختصة، بالتنسيق مع الدفاع المدني ووزارة الأسرى والصليب الأحمر، إضافة إلى متابعة ما يرد من جثامين إلى وزارة الصحة، وذلك بهدف المساعدة في كشف مصيرهم وتحديد هوياتهم بما يضمن الوصول إلى إجابات دقيقة وموثوقة لذويهم.

ويشير إلى أن هذا الوضع ينعكس سلبا على أسر المفقودين وزوجاتهم، إذ يحرمهم من عدد من الحقوق والخدمات الأساسية، كما تفتح هذه القضية أيضا إشكاليات شرعية وقانونية معقدة تتعلق بتوزيع الميراث وتسوية الحقوق المالية للأسرة.

وبسؤاله عن أسباب عدم استصدار شهادات وفاة لعائلات وزوجات المفقودين، يؤكد نوفل: "لم تصدر أي شهادة وفاة حتى الآن لأي من المفقودين"، مبينا أن القانون يشترط، في الظروف الاعتيادية السابقة للحرب على غزة، إقامة دعوى لإثبات وفاة المفقود بعد مرور أربعة أعوام على فقدانه، أما في ظل ظروف الحرب، فترفع الدعوى بعد عام واحد من تاريخ عودة الأسرى وإعلان الهدنة، الذي جرى في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير