شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:07 بتوقيت القدس

أهالي المفقودين.. انتظارٌ "مُعلّق": لا حِداد ولا أمل!

06 يناير 2026 - 08:26
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

على أعتاب منظمة دولية، تقف أنوار عبد الرازق منذ شهور، تحمل صورة زوجها مصطفى بيد، وتشدّ على يد طفلتها مسك باليد الأخرى. منذ الحادي والثلاثين من ديسمبر/كانون الأول 2024م، انقطعت أخبار مصطفى، ولم يعد إلى البيت، ولم يصل عنه خبر. لا تعرف زوجته إن كان حيًا، أم أسيرًا، أم مفقودًا تحت ركام مدينة لم تعد تعرف شوارعها.

تقول بصوتٍ ينهكه الانتظار: "يهزني سؤال ابنتي عن والدها. تمسك صورته وتسأل: متى سيعود؟ ولا أملك إجابة".

أنوار، المقيمة في مخيم النصيرات، لم تترك بابًا إلا وطرقته. بحثت في سجلات وزارة الصحة، تواصلت مع الصليب الأحمر، وسألت العائدين من المستشفيات والمناطق المدمرة، دون جدوى. تحوّل البحث عن معلومة إلى رحلة يومية معلّقة بين أمل لا ينطفئ ووجع لا يهدأ.

ولا تختلف قصة ابتسام البحري كثيرًا. الشابة البالغة من العمر (22 عامًا)، من بلدة بيت لاهيا، شمالي قطاع غزة، نازحة اليوم في خان يونس جنوبًا.

ما زالت تبحث عن جثمان والدها المفقود منذ الأيام الأولى للحرب. تتذكر أن والدها استُشهد شمالي غزة، في منطقة مفتوحة لم يكن الوصول إليها ممكنًا آنذاك. تقول: "حين عدنا بعد فترة وبحثنا، لم نجد شيئًا. فتشنا المستشفيات، سألنا الجميع، لكن جثة أبي اختفت"، تقول ودموعها تسبق كلماتها.

أما نعمة البراوي، وهي من بلدة بيت لاهيا أيضًا، ونازحة في دير البلح وسط القطاع، فتحمل قصة فقد من نوع آخر. زوجها المريض، المُقعد، اعتقله الاحتلال شمالي غزة في الخامس عشر من ديسمبر/كانون الأول 2023م.

تخبرنا: "فصلوا الرجال عن النساء، وانتظرت ساعات طويلة. قال لي شبان إن جنود الاحتلال اعتقلوه. ومنذ تلك اللحظة، لم نعرف عنه شيئًا".

تابعت الأسرة قضيته عبر محامين، بحثت في سجلات الأسرى والمستشفيات ووزارة الصحة، وتواصلت مع الصليب الأحمر، دون أي أثر. "في البداية كان لدينا أمل، ومع مرور الوقت بدأ الأمل يتآكل" تقول نعمة.

عدد المفقودين والمخفيين في قطاع غزة يُقدّر بنحو تسعة آلاف حالة، فيما بلغ عدد البلاغات الرسمية التي وصلت إلى المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا حتى الآن قرابة أربعة آلاف بلاغ.

هذه القصص ليست استثناءً، بل جزء من ملف إنساني بالغ القسوة خلّفته الحرب على غزة: ملف المفقودين. ملف مفتوح على الأسئلة، بلا إجابات حاسمة، وبلا نهاية واضحة. آلاف العائلات تعيش منذ عامين في حالة انتظار معلّق، عاجزة عن الحداد، وعن الوداع، وعن إغلاق فصل الفقد.

بحسب المنسق في المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا، غازي المجدلاوي، فإن عدد المفقودين والمخفيين في قطاع غزة يُقدّر بنحو تسعة آلاف حالة، فيما بلغ عدد البلاغات الرسمية التي وصلت إلى المركز حتى الآن قرابة أربعة آلاف بلاغ.

ويؤكد المجدلاوي أن هذه الأرقام أولية، في ظل استمرار العدوان، وانقطاع الاتصالات، وصعوبة الوصول إلى المناطق المدمرة، والتمركز العسكري الإسرائيلي في مساحات واسعة من القطاع.

وتشير بيانات المركز إلى أن حالات الفقدان توزعت على مختلف محافظات غزة؛ إذ سُجلت النسبة الأعلى في محافظة غزة، تلتها محافظة الشمال، ثم الوسطى، وخان يونس، ورفح، فيما صُنّف نحو 18% من الحالات دون تحديد جغرافي دقيق بسبب الظروف الميدانية القاسية.

في السياق ذاته، يوضح المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، د.خليل الدقران لـ"نوى"، أن عدد الشهداء بلغ نحو 69,799 شهيدًا، فيما تجاوز عدد المصابين 170 ألفًا.

ويقدّر عدد المفقودين تحت الركام وفي أماكن لم يُتعرف عليها بعد بنحو عشرة آلاف شهيد. يزيد الدقران: "منذ الحادي عشر من أكتوبر الماضي، تم انتشال 605 جثامين فقط، وسط صعوبات كبيرة تتعلق بنقص الإمكانيات والمعدات".

ويشير الدقران إلى أن بعض الجثامين التي سلمها الاحتلال كانت مشوهة ومجهولة الهوية، وعُثر عليها مكبلة الأيدي ومعصوبة الأعين، ما يدل على تعرض أصحابها للتعذيب قبل قتلهم.

كما سُلّم عبر الصليب الأحمر نحو 345 جثمانًا، لم يُتعرف على هوية سوى 99 منها، بينما دُفن الباقي في مقبرة جماعية في دير البلح، في ظل رفض الاحتلال السماح بإجراء فحوصات الحمض النووي.

سُلّم عبر الصليب الأحمر نحو 345 جثمانًا، لم يُتعرف على هوية سوى 99 منها، بينما دُفن الباقي في مقبرة جماعية في دير البلح، في ظل رفض الاحتلال السماح بإجراء فحوصات الحمض النووي.

من جانبه، يؤكد المتحدث باسم الدفاع المدني، محمود بصل، أن ملف المفقودين يمثل تحديًا إنسانيًا هائلًا، مشيرًا إلى توقف عمليات البحث منذ الشهر الحادي عشر للحرب نتيجة استهداف المعدات الثقيلة. يقول: "لا يوجد في غزة اليوم سوى حفار واحد، رغم وجود آلاف الجثامين تحت الأنقاض"، مطالبًا المجتمع الدولي بتوفير المعدات وأجهزة الكشف اللازمة.

بين قصص الأمهات والزوجات والبنات، وبين الأرقام المتصاعدة، يبقى ملف المفقودين في غزة جرحًا مفتوحًا. فكل مفقود ليس رقمًا، بل إنسان له اسم ووجه وحق أخير في أن يُعرف مصيره، وأن يُودَّع بكرامة.

كاريكاتـــــير