قطاغ غزة:
"كل شهيق هنا يشبه ابتلاع شظية.. ولم أعد أعرف إن كان صدري يضيق بمرض الربو، أم بركام المدينة المعلّق في الهواء".. بهذه العبارة الجافة والموجعة، يختصر محمود عبيد (42 عامًا) جغرافيا الخراب التي استوطنت جسده قبل أن تستوطن قطاع غزة.
يخرج الكلام من فمه ممزوجًا بسعال حاد يشبه حشرجة الاحتضار، يبدو أن كل شيء قد تبدل؛ فحتى الهواء الذي يفترض أنه مجاني ومتاح للجميع، تحول في القطاع إلى ترفٍ عسير.
ولم يعد الرجل، الذي يجر خلفه سنوات من الربو المزمن، يلتفت إلى بخاخاته الطبية؛ فقد أدرك مبكرًا أن الصيدليات العاجزة لا تملك دواءً لمدينة كاملة جرى تفتيتها وتحويلها إلى غبار.
الانبعاثات الكربونية الناتجة عن عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة بلغت 33.2 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون
يقول محمود، إنه أحيانًا يلحظ الدموع تسيل من عينيه وكأنها ممهدةً لطرقات صغيرة وسط طبقة الغبار التي تكسو وجهه، مضيفًا: "رائحة الصواريخ وحرائق البلاستيك وركام المباني وحطب النار باتت هي الطقس اليومي الذي نتنفسه داخل هذه الخيام".
وعند قصف المربعات السكنية، يرتعد من غبار الموت الذي يطبق على صدره لأيام، كأنه يرفض أن يغادره، فالبيئة في غزة صارت مصيدة محكمة الإغلاق لكل الرئات المتعبة، وما أكثر هذه الرئات في مدينتنا! -يزيد-.
هذا الاختناق الإنساني هو الانعكاس المباشر لأرقام مرعبة صدرت في بيان مشترك لـجهاز الإحصاء المركزي وسلطة جودة البيئة بمناسبة يوم البيئة العالمي؛ حيث حذر البيان من أن الانبعاثات الكربونية الناتجة عن عدوان الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة بلغت 33.2 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
ويضاهي الرقم الضخم هذا، إجمالي الانبعاثات السنوية لدول بأكملها، ويمثل حكمًا بالإعدام على الرئات المتعبة كحال محمود؛ إذ تعادل هذه الانبعاثات ما ينتجه نحو 7.6 مليون سيارة تسير بالبنزين، وما تستطيع غابات بمساحة 133 ألف كم² امتصاصه من ثاني أكسيد الكربون خلال سنة كاملة.
وأوضح البيان أن هذه الكلفة الكارثية تتوزع بين العمليات العسكرية المباشرة التي تسببت في انبعاث نحو 1.9 مليون طن، وبين الكلفة الكربونية المرتبطة بإزالة الركام وإعادة إعمار المنشآت والمنازل المدمرة.
في مخّيم نزوح آخر بمنطقة السرايا وسط مدينة غزة، تقف علا شحادة (49 عامًا) وهي أم لسبعة من الأبناء والبنات، عاجزة أمام طفلها المصاب بنزلة معوية حادة، فالمعركة هنا مزدوجة ما بين تأمين شربة ماء نظيفة، والهروب من بحيرات المياه العادمة التي باتت تحاصر خيمتها.
تخبرنا بغصة بأنها أصبحت وأسرتها تعيش فوق مستنقع، مياه الصرف الصحي تتدفق بين الخيام، وأولادها يمرضون ولا تجد حتى ماءً نظيفًا لتغسل به أيديهم.
ولا تتوقف مأساتها عند حدّ الإصابة، بل تمتد إلى طوابير العلاج في العيادات والمراكز الصحية المتهالكة، إلى جانب عدم الحصول على الأدوية اللازمة نتيجة الحصار والغلاء -بحال توفرت-، وكذلك استمرار العيش في ذات البيئة التي تعدم كل مقومات الحياة تدريجيًا -بحسب وصفها-.
تعادل الانبعاثات ما ينتجه نحو 7.6 مليون سيارة تسير بالبنزين في عام كامل
ومأساة علا تلخص الانهيار الشامل لمنظومة الصرف الصحي والبنية التحتية والمائية التي دمرتها الإبادة، ووفقًا للبيان المشترك لـجهاز الإحصاء المركزي وسلطة جودة البيئة، يشهد القطاع انهيارًا شبه كامل في منظومة الصرف الصحي نتيجة تضرر أكثر من 90% من البنية التحتية وتدمير جميع محطات المعالجة.
بالإضافة إلى تدمير واسع للشبكات بنحو 1,545 كم و47 محطة ضخ، ومع انقطاع الكهرباء والوقود وتوقف الخدمات، تدفقت المياه العادمة في الشوارع ناشرة الأمراض والأوبئة.
هذا التدمير لشبكات المياه حوّل الحياة اليومية إلى عبء اقتصادي لا يطاق؛ حيث لفت ذات البيان إلى أن أسعار مياه الصهاريج شهدت ارتفاعًا حادًا يتجاوز 600%، ليقفز سعر كوب المياه إلى نحو 211 شيكلًا عام 2025 مقارنة بـ 30 شيكلًا فقط عام 2023، مما جعل حق البقاء على قيد الحياة ترفًا ماديًا يعجز عنه المواطنون.
وفي مواصي خانيونس، -التي كانت تُعرف يومًا بأنها سلة غزة الخضراء وواحتها الأخيرة-، يجلس المزارع الستيني حسين أبو حميد، ويقبض على حفنة من التراب الممزوج بشظايا معدنية ورماد القذائف ويتحدث بأن هذه الأرض كانت تطعم عائلته وجيرانه، وتمنحهم سترًا يلوذون به.
اليوم جرّفتها الدبابات وحرقتها القذائف حتى غارت معالمها، مضيفًا: "إنهم لا يقتلون البشر هنا بالرصاص فقط، بل يقتلون الشجر ويسّمون التربة، لكي يضمنوا ألا تبقى لنا حياة أو عودة فوق هذه الأرض".
قفز سعر كوب المياه إلى نحو 211 شيكلًا عام 2025 مقارنة بـ 30 شيكلًا فقط عام 2023
يتذكر أبو حميد بحسرة كيف كانت أشجار الحمضيات والجوافة تظلل المكان، وكيف كان يرى الحياة تنبت مع كل موسم، لكن اليوم، استُبدل اللون الأخضر بسوادٍ قاحل، وركامٍ ممتد لا ينتهي.
ولا بد من الإشارة هنا إلى ما كشفه تقرير حديث صادر عن مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) حتى نهاية حزيران 2025، أن الحرب تسبت بتدمير ما يقارب 86% من إجمالي الأراضي الزراعية في قطاع غزة، نتيجة عمليات القصف الجوي المكثف، والتجريف المتعمد بالجرافات العسكرية الضخمة، وسحق التربة تحت مجنزرات الآليات.
تسببت الحرب في تدمير ما يقارب 86% من إجمالي الأراضي الزراعية في قطاع غزة
وتتضاعف الكارثة كلما اتجهنا شمالًا، حيث بلغت نسبة تدمير الأراضي الزراعية في شمال غزة مستويات فلكية وصلت إلى 94%، وهو ما يمثل عملية مسح كاملة للغطاء النباتي، واغتيالاً مباشرًا للأمن الغذائي لأكثر من مليوني نسمة باتوا يواجهون شبح المجاعة الحقيقية بعد أن حُرموا من إنتاج أرضهم.
ومأساة "أبو حميد" تتمثل بأن التربة نفسها باتت ملوثة ومسمومة بملفات لا تنضب من المخلفات، جراء تراكم نحو 710 آلاف طن من النفايات المنزلية التي تعفنت وتغلغلت سمومها في باطن الأرض، إلى جانب تكدس أكثر من 60 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير الاحتلال ما يزيد على 330 ألف وحدة سكنية.
ومع انهيار البلديات وتدمير 90% من معداتها، تحوّلت الأرض الخصيبة إلى بؤرة للتلوث السمّي؛ لينسج الخراب تفصيلًا بيئيًا يمتد في يوميات الغزيين، يتنفسونه هواءً كربونيًا، ويشربونه ماءً شحيحًا ملوثًا، ويلمسونه رمادًا في تربةٍ مسمومة.
























