تحت أشعة الشمس الملتهبة، تقف يسرا سعد عند مدخل خيمتها، تنحني قليلاً وهي تسكب الماء على وجه طفلها حسن، تحاول أن تغسل عنه غبار يومٍ طويلٍ من العمل الشاق، عسى أن تُخفف شيئاً من الإرهاق الذي استقر في ملامحه الصغيرة، فيما تمرر يديها على رأسه وكتفيه بحنانٍ مقترن بقلقٍ لا يفارقها، تبحث بصمت عن أثر إصابة جديدة قد تكون الحجارة قد خلّفتها في جسده النحيل.
في كل مساء، يعود حسن سعد، ذو الأعوام العشرة، إلى خيمته مثقلاً بتعبٍ يفوق عمره، حاملاً في داخله أمنية بسيطة لا تغيب عنه: أن يعيش طفولته كما ينبغي، كأي طفلٍ في سنه؛ أن يستيقظ صباحاً، يتناول فطوره، يرتدي ملابسه النظيفة، ويتجه إلى مدرسته القريبة ليتلقى دروسه بين أقرانه.
غير أن واقع حسن لا يشبه هذه الأمنية؛ فقد انقلبت حياته في لحظة، إذ وجد نفسه مسؤولاً عن إعالة أسرته كاملة، والدته وأشقائه السبعة، إضافة إلى طفلين تركهما شقيقه الأكبر بعد استشهاده، فتحول من طفلٍ ينتظر الرعاية، إلى معيلٍ يُطلب منه أن يوفرها للآخرين، في قطاعٍ لم يعد فيه شيء طبيعياً بعد حربٍ امتدت لأشهر طويلة وخلّفت دماراً واسعاً.
وقبل أن تبزغ خيوط الشمس، يكون حسن قد غادر خيمته، متجهاً نحو عمله بين الركام، حيث يبدأ يومه بأدوات بسيطة—إزميل ومطرقة—لينظف الحجارة المستخرجة من المنازل المدمرة.
ساعات طويلة يمضيها سعد تحت أشعة الشمس الحارقة، ينحني ويرفع ويحمل، دون توقف، قبل أن يعود في نهاية اليوم بعشرين شيكلاً فقط، بالكاد تساعد في تلبية جزء يسير من احتياجات أسرته.
يدرك حسن، بوعيٍ أكبر من سنه، أن هذا العمل لا يناسب طفلاً مثله، ولا يتوافق مع قدرته الجسدية؛ فآلام الظهر تلازمه، والصداع لا يفارقه، فيما تزداد معاناته مع كل يومٍ جديد، وكأن جسده الصغير يدفع ثمن واقعٍ أكبر بكثير مما يحتمل.
أما والدته، فتقف عاجزة بين ما تتمناه لطفلها وما يفرضه الواقع؛ تتمنى أن تراه يركض خلف كرة، يضحك مع أقرانه، يرتدي ملابس نظيفة، ويعيش أيامه كما يجب لطفلٍ في عمره، لا أن يحمل أعباءً يعجز عنها الكبار، تنظر إليه بأسى، تربّت على كتفيه، وتحاول أن تُخفف عنه ما استطاعت، لكنها تدرك في قرارة نفسها أن ما يجلبه حسن، رغم ضآلته، هو شريان الحياة الوحيد للعائلة.
ورغم كل هذا، لا يتخلى حسن عن حلمه البسيط: أن يعيش بأمان، وأن يعود إلى مدرسته، وأن ينام دون ألم؛ حلمٌ يبدو عادياً في أماكن أخرى، لكنه هنا، في قلب هذا الواقع القاسي، أصبح حلم بعيد المنال.
ما يعيشه حسن ليس استثناءً؛ فمنذ أن بلغت البطالة في غزة 80%، حذرت منظمة العمل الدولية من ظاهرة إرسال الأطفال إلى العمل والتي تنامت في قطاع غزة ما بعد السابع من أكتوبر 2023.
























