شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 23 يوليو 2026م14:48 بتوقيت القدس

أصعب مهمةٍ بالحرب..

على أكتاف أمهات غزة.. تتكئ الخيام!

23 يوليو 2026 - 12:24

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

قبل أن تفتح عينيها تمامًا، تكون قد بدأت معركتها الأولى. تتحسس الوجوه الصغيرة النائمة حولها، وتعدّ أنفاس أصحابها كما لو أنها تتأكد أنهم ما زالوا هنا. تنظر إلى كيس الدقيق الذي يحتضر، وإلى جالون الماء الفارغ حتى آخره، وإلى الحطب الذي لا يكفي لإشعال النار حتى من أجل إعداد كوب شاي.

لا تسمع في تلك اللحظة صوت هدير الطائرات بقدر ما تسمع الأسئلة التي تستيقظ قبل أن يصحو النيام: هل هناك خبز للفطور؟ ماذا سنطبخ اليوم؟ هل بقي ما يكفي ليوم آخر؟ ومن سيحصل على الطعام أولًا إن لم يكفِ للجميع؟

في غزة، لا تبدأ الحرب مع الغارة الإسرائيلية، ولا تنتهي عندما يخفت هدير الطائرات لدقائق. بالنسبة للنساء، ثمة حرب أخرى لا تظهر في نشرات الأخبار، ولا توثقها عدسات الكاميرات؛ حرب يخضنها داخل الخيام، بين الجوع والخوف والفقد، وبين محاولة عنيدة لإبقاء الحياة ممكنة، ولو ليوم إضافي واحد.

سألنا خمس نساء نازحات سؤالًا: "ما أصعب مهمة تؤدينها كل يوم منذ بدأت الحرب؟" لم تتحدث أي منهن عن الطهي أو غسل الملابس أو تنظيف الخيمة، بل عن مهام أثقل من كل ذلك؛ مهام تستنزف القلب قبل الجسد، وتفرض على المرأة أن تؤدي أدوارًا لم تخترها يومًا.

"أصعب مهمة.. أن أقرر من سيشبع"

تقول نورا خضر، وهي أم لخمسة أطفال وأرملة فقدت زوجها في حادث سير في نوفمبر/تشرين الثاني 2023م: "إن أصعب ساعات يومها ليست الوقوف في طوابير الطعام، بل العودة بما استطاعت الحصول عليه".

حينها تبدأ معركة أخرى لا يراها أحد. تجلس أمام الطعام القليل، ثم تبدأ حساباتها المؤلمة: من يحتاج هذه اللقمة أكثر؟ الطفل الذي أنهكه سوء التغذية؟ أم الابن الذي أمضى ساعات يبحث عن الحطب؟ أم الابنة التي تساعدها في غسل الملابس وجلي الأواني ونقل المياه؟

وتقول: "في بعض الأيام لا أكون أمًا.. أكون قاضية. أحكم بين أطفالي بالجوع. أعطي واحدًا قطعة أكبر، وأقنع الآخر بأنه شبع! كثيرًا ما أتنازل عن حصتي، وأكتفي بآخر اللقيمات، فقط لأؤجل بكاء الصغار، خصوصًا الأطفال دون السابعة".

"أصعب مهمة.. أن أكذب"

أما ندى فرحات، التي فقدت زوجها بعدما حاول العودة إلى مدينة غزة عقب نزوح العائلة إلى الجنوب، وانقطعت أخباره منذ فبراير/شباط 2024م، فتقول: "الحرب أجبرتني على فعل لم أتخيل يومًا أنني سأعتاده: الكذب".

تضيف: "كل ليلة يسألني أطفالي: ماذا سنأكل غدًا؟ فأجيبهم: ستصل مساعدات، وأنا لا أعرف إن كانت ستصل أصلًا. ويسألونني: متى سيعود أبي؟ فأقول: قريبًا.. وأنا لا أعرف إن كان حيًا أم ميتًا".

"أكذب حين أقول إن القصف بعيد، وأكذب حين أقول إن أباهم سيعود، وأكذب حين أقول إن الغد سيكون أفضل، لأن الحقيقة أكبر من أعمارهم".

تتوقف قليلًا، ثم تتابع: "أكذب حين أقول إن القصف بعيد، وأكذب حين أقول إن أباهم سيعود، وأكذب حين أقول إن الغد سيكون أفضل، لأن الحقيقة أكبر من أعمارهم".

بالنسبة لها، لم يعد الكذب خداعًا، بل محاولة أخيرة لحماية طفولتهم من واقع يفوق قدرتهم على الاحتمال.

"أصعب مهمة.. أن أمنع نفسي من الانهيار"

هديل حبيب، التي فقدت زوجها أيضًا، تقول إنها لم تجد فرصة واحدة لتبكي: "كلما شعرت أنني سأبكي، تذكرت أن أحدًا يجب أن يملأ الماء، ويشعل النار، ويُسكت الأطفال، فأؤجل حزني إلى يوم لا يأتي".

وتضيف: "أخشى أن يراني أطفالي ضعيفة أكثر مما أخشى القصف نفسه (..) إذا انهرتُ أنا، فمن سيقنعهم أن الحياة ما زالت ممكنة؟ أنا مصدر الأمان الوحيد لهم، والحضن الذي يهربون إليه كلما خافوا أو جاعوا أو ضاقت بهم الدنيا".

"أصعب مهمة.. أن أخرج إلى الحمام ليلًا"

بعيدًا عن الصور المعتادة للحرب، تتحدث أمل، وهي شابة نازحة، عن خوف من نوع آخر. تقول ساخرة: "أول شيء، لا نصيب لي من اسمي تحت الإبادة، فكل مقومات الأمل هنا معدومة".

ثم تضيف: "أصعب ما أعيشه هو الليل، عندما أضطر للسير بين الخيام حتى أصل إلى دورة مياه بعيدة. أنتظر حتى ينام الجميع، ثم أؤجل، ثم أؤجل مرة أخرى، حتى يصبح الألم أهون من الخروج".

تنظر إلى الخيام المحيطة بها وتقول بصوت خافت: "لم أكن أعرف أن الإنسان قد يخاف من أبسط احتياجاته".

"أصعب مهمة.. أن أتظاهر بأنني بخير"

أما سميرة عواد، وهي امرأة خمسينية، فتقول: "السؤال الذي أسمعه كل يوم أصبح الأصعب: "كيف حالك؟" (..) لستُ بخير منذ زمن، لكنني كل صباح أغسل وجهي، وأرتب الخيمة، وأبتسم لأحفادي. ليس لأنني قوية، بل لأنهم يحتاجون إلى وجه لا يخيفهم".

"الحرب لم تطلب منا فقط أن ننجو.. طلبَت منا أن نجعل الآخرين يصدقون أننا سننجو. لا أعرف كيف صار ذلك مهمة يومية، لكنه ما نفعله كل صباح".

تصمت قليلًا قبل أن تضيف: "الحرب لم تطلب منا فقط أن ننجو.. طلبَت منا أن نجعل الآخرين يصدقون أننا سننجو. لا أعرف كيف صار ذلك مهمة يومية، لكنه ما نفعله كل صباح".

تختلف الإجابات، لكن الخيط الذي يجمع النساء الخمس واحد: في غزة، ليست أصعب المهام هي تلك التي تتعب الأيدي، بل تلك التي تستنزف القلوب. داخل كل خيمة، تؤدي امرأة عملًا لا يُسجل في أي كشف دوام، ولا ينتهي مع غروب الشمس؛ تحرس ما تبقى من الطمأنينة، وتوزع الأمل كما توزع الطعام، وتحاول أن تُبقي أسرتها معلقة بخيط رفيع من الحياة، يومًا آخر.

كاريكاتـــــير