شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 12 مايو 2026م14:38 بتوقيت القدس

بعد 13 رحلة نزوح... كتب العنقاء تنهض من تحت الركام

12 مايو 2026 - 09:29

غزة- شبكة نوى :

مساء 7 أكتوبر 2023م، تلقّى الشاب عمر حمد رسالة نصية من قوات الاحتلال الإسرائيلي تطالبه بإخلاء منزله في بيت حانون شمال قطاع غزة فورًا، وقف حينها أمام لحظة قاسية لا تشبه أي قرار عادي، هل يختار النجاة بعمره، أم البقاء في مكتبته التي أمضى سنوات عمره يجمع كتبها كتابًا كتابًا.

دقائق مربكة، فتّش عمر بعينيه عن عناوين الكتب التي التصقت بذاكرته وحاول حملها من بين مئات الكتب التي شكّلت وعيه، حمل بعضها على أمل العودة، وترك غيرها.

يقف عمر أمام رفوف مكتبة العنقاء التي أسسها في مدينة غزة، ينظر مليًا إلى الكتب الناجية من تحت الركام بعدما نزحت معه 13 مرة من مكانٍ لآخر، وبدأ سرد الحكاية، حكاية مكتبة العنقاء.

يروي بداية علاقته بالكتب حين كان ابن 14 عامًا، وأدرك معنى رقابة الاحتلال للمنهاج الفلسطيني ليتحكم بالرواية، منذ ذلك اليوم بدأ شراء كتاب التاريخ الفلسطيني، وتحولت القراءة من هواية إلى قضية شخصية.

بصوتٍ يملؤه الحنين يكمل: “وصلت مكتبتي إلى 500 كتاب، كانت تمنح البيت روحه، هي ذاكرة كاملة وهوية وسنوات من البحث والاقتناء، لكن حرب الإبادة أخفت أساسات البيت ودفنت كتبي أسفل ركامه".

وسط القصف الكثيف، لم يتوقّف عمر أمام خسارته الشخصية، بل بدأ بخوض مغامرات خطرة برفقة عدد من أصدقائه لانتشال الكتب من البيوت والمكتبات المدمرة، أكثر المشاهد التي ظلّت عالقة في ذاكرته دخوله إلى مكتبة الجامعة الإسلامية بعد تدميرها.

يشبّك أصابعه وهو يخبرنا: “أول يوم انتشلت 300 كتاب، وفي التالي أنقذت 400، كنت أبحث تحديدًا عن الكتب القديمة والنادرة تلك التي تجاوز عمر بعضها مائة عام، الكثير منها كان يُحرق للطهي من قبل النازحين".

تعرّض عمر للسخرية من البعض، كيف لشاب أن يغامر بحياته من أجل الكتب، "لكني كنت أرى الكتب ليست مجرد ورق، بل تاريخ وهوية وضمان للذاكرة"، يقول.

خلال رحلة نزوحه الطويلة، حمل عمر معه ما استطاع من الكتب، يقول: “أخذت 120 كتابًا، نزحت من بيت حانون إلى غزة، ثم رفح، خانيونس، وحوصرت داخل مستشفى الهلال الأحمر، وتحت القصف خرجت حيًا لكنّي تركت الكتب على أمل العودة لها".

ظلّ عمر يترقّب أي هدنة ليعود لبيته ومكتبته، ومع بدء الهدنة الأولى في يناير 2025م، عاد لبيته ليجد النيران التهمت مكتبه ولم ينجُ سوى 14 كتابًا من أصل مئات الكتب، خسارة دفعته برفقة صديقه إبراهيم المصري لمواصلة انتشال الكتب من البيوت والمكتبات المدمرة، إذ تمكن مثلًا من إنقاذ 50 كتابًا من مكتبة الشاعر مصعب أبو توهة الحائز على جائزة بوليتزر الأمريكية المرموقة.

يروي عمر أكثر اللحظات قسوة حين اضطر في ذروة المجاعة التي ضربت غزة إلى مقايضة كتبه مقابل كيلو جرام من الدقيق لسدّ رمق عائلته المكونة من 22 فردًا بينهم أطفال وكبار سن، أثارت قصته تفاعلًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي وكانت نقطة تحوّل دفعته للتفكير بتأسيس مكتبة بعد تدمير جيش الاحتلال لمعظم المكتبات.

يستكمل بنبرة تجمع بين الغضب والفخر: "منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار نشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي فكرة إنشاء مكتبة العنقاء، تيمّنًا بطائر العنقاء الذي ينهض من الرماد، كما خرجت كتبنا من تحت الركام".

بدأت رحلة تأسيس مكتبة العنقاء، مكتبة شُرِّدت كتبها ثلاث عشرة مرة بالنزوح، قبل أن تستقر أخيرًا فوق رفوف مرتبة داخل مساحة صغيرة لا تتجاوز 200 متر مربع، تضم اليوم نحو سبعة آلاف كتاب أكاديمي وجامعي وتاريخي وثقافي وديني، باللغتين العربية والإنجليزية، إضافة إلى روايات وكتب تبرعت بها عائلات شهداء، لتبقى أسماؤهم وذكرياتهم حاضرة بين الصفحات.

وعن التحديات التي واجهته خلال التأسيس يخبرنا: "كل شيء نادر وباهظ الثمن الكهرباء، الخشب، البراغي، الطلاء، وحتى أبسط أدوات البناء، أي مكتبة في الظروف الطبيعية يمكن تأسيسها خلال أسبوعين، لكن في غزّة ستة أشهر متواصلة بنأسس تحت الحصار وفي ظل إبادة ثقافية متعمدة تستهدف الإنسان والذاكرة معًا".

وتُعدّ مكتبة العنقاء أول مكتبة تُفتتح في قطاع غزّة بعد الحرب، في محاولة لإعادة ترميم ما استهدفته الإبادة من ثقافة وهوية وتاريخ فلسطيني.
جذب افتتاح مكتبة العنقاء الشقيقتين العشرينيتين نيلوڤر ونونياز أبو راس، اللتين وجدتا بين رفوفها مساحة نجاةٍ صغيرة من واقع الحرب، ومتنفسًا يعيد إليهما ما سلبته سنوات الإبادة والنزوح، فمنذ افتتاح المكتبة، باتتا تقصدانها سيرًا على الأقدام من منزلهما المطل على ميناء غزّة، لتجوبا أروقتها بهدوء، وتنتقيا الروايات والكتب التي تعيدان عبرها ترميم أرواحهما المتعبة.

تجلس الشقيقتان في إحدى زوايا المكتبة، وبين يدي كلٍّ منهن كتابها المفضل فيما تنهمكان بالقراءة كأنهما تحاولان انتزاع لحظة سلام من قلب الركام تقول نيلوڤر: "تدفعنا أقدامنا لقطع مسافة طويلة، القراءة بالنسبة لنا ليست هواية عابرة بل غذاء للروح والعقل ومساحة حرية نفتقدها وسط هذا الواقع المكلوم الذي فرضته حرب الإبادة الإسرائيلية داخل المكتبة نشعر أننا نستعيد شيئًا من ذواتنا التي أرهقتها الحرب".

أما شقيقتها نونياز فتغلق رواية الجريمة والعقاب بهدوء قبل أن تشاركنا الحديث: "خلال الحرب عشنا خوفًا وقلقًا دائمين، ومع النزوح ازداد وقت الفراغ وثقل الأيام، فحاولنا استثماره بالقراءة بدأنا بقراءة كتب والدي، ثم اشترينا بعض الروايات والكتب، لكننا فقدناها خلال رحلة النزوح القاسية".

وتتابع نونياز حديثها بينما تتأمل رفوف المكتبة الممتلئة بالكتب "وجود العنقاء منحنا شعورًا مختلفًا؛ فالهدوء ينتشلنا من الواقع المعاش، ويأخذنا إلى عوالم أخرى، أحيانًا أعيش داخل الرواية نفسها أبتسم مع أبطالها وأشعر أنني أتنفس بعيدًا عن الحرب، وأحيانًا أجد في الكتب ما يمنحني الأمل ويعيد إليّ الإحساس بالحياة بعد كل ما عشناه".

تؤكد الشقيقتان أن القراءة أصبحت بالنسبة لهما فعل صمود، خاصة بعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي للمكتبات والمساحات الثقافية التي كانتا ترتادانها باستمرار قبل الحرب وتقولان:" إن مكتبة العنقاء لم تُعد لهما الكتب فقط، إنما أعادت إليهما طقسًا يوميًا كان يمنحهما شعورًا بالحياة والانتماء".

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير