شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م09:31 بتوقيت القدس

الحاصلة عليها آيات السقا: "ليست إنجازًا شخصيًا"..

حيث ثِقل حكايا الفقد والنزوح.. جائزة دولية لـ"غزة"!

15 ابريل 2026 - 09:12
المهندسة آيات السقا
المهندسة آيات السقا

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في مساحةٍ ممتدةٍ من الخيام وسط مواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، حيث تتكدّس الحكايات الثقيلة على أرضٍ لم تعد تحتمل، تجلس آيات السقا خلف مكتبٍ بسيط في نقطةٍ طبية وُلدت من رحم الحاجة.

تراقب الشابة تفاصيل يومٍ يشبه ما قبله، وتدير ما يمكن إدارته من خدماتٍ تتسع ببطء، فيما الواقع يسبقها بخطواتٍ أسرع مما تستطيع أي مؤسسة اللحاق به.

لم يكن ذلك اليوم مختلفًا، حتى وصلها إشعارٌ غيّر إيقاعه.. اسمها موجود ضمن الفائزين بجائزة دولية (Penta Brighter Future Award)، خبرٌ بدا أكبر من أن يُختصر في إنجازٍ شخصي.

توقّفت آيات عند ما هو أبعد من اسمها، عند حضور "غزة" و"فلسطين" في فضاءٍ يُغفل تفاصيل ما يحدث هنا، شعرت أن ما يُبذل في هذا المكان وجد طريقه أخيرًا ليُرى.

توقّفت عند ما هو أبعد من اسمها، عند حضور "غزة" و"فلسطين" في فضاءٍ غالبًا ما يغفل تفاصيل ما يحدث هنا، شعرت أن ما يُبذل في هذا المكان -رغم هشاشته- وجد طريقه أخيرًا ليُرى.

لم تكن تلك اللحظة تتويجًا بقدر ما كانت انعكاسًا لمسارٍ طويل بدأ قبل الحرب، حين اختارت دراسة الهندسة المعمارية، ثم انتقلت إلى العمل الإداري وتنسيق المشاريع، لكن الحرب كما تفعل دائمًا، أعادت رسم الطريق، دفعتها إلى الميدان، إلى حيث الحاجة أكثر وضوحًا، وأشد إلحاحًا.

في المواصي، حيث تغيب البنية التحتية، وتتضاعف أعداد النازحين، ساهمت مع فريقها في إنشاء نقطةٍ طبية صغيرة، لم تكن في بدايتها سوى محاولةٍ لسد فجوةٍ واسعة.

مع الوقت، بدأت تلك المساحة الضيقة تتسع، وتتحوّل من خدماتٍ أولية إلى مركزٍ يضم عيادات للطب العام، وصحة النساء، وتنظيم الأسرة، إضافة إلى خدمات التمريض والصيدلة.

لكن الحاجة لم تتوقف عند هذا الحد، مع انتشار الأمراض وصعوبة الوصول إلى الفحوصات، برزت ضرورة إنشاء مختبر. لم يكن الأمر سهلًا، فقد تطلّب الأمر استعادة أجهزة من مركزٍ صحي مدمّر في البريج، والعمل لأشهر على إعادة تأهيلها.  قطعةً بعد أخرى، جرى تركيب ما أمكن إنقاذه، حتى أصبح المختبر واقعًا، يقدّم خدماته لمن لم يكن لديهم خيارٌ آخر.

لم تكن آيات بعيدة عن التجربة نفسها.. نزحت كما نزح غيرها، أعادت ترتيب حياتها أكثر من مرة، وبنت عملها من الصفر في كل مرة.

لم يكن العمل هنا طبيًا فقط في ظل اقتصادٍ منهك، فقد امتدت الجهود لتشمل النساء، عبر برامج تمكين صغيرة، تعلّمن فيها مهاراتٍ بسيطة، من التصنيع الغذائي إلى التطريز وصناعة الشموع.

هذه المبادرات لم تشكل حلولًا جذرية، لكنها كانت محاولةً لفتح نافذة، ولو ضيقة، أمام قدرة النساء على دعم أسرهن، واستعادة جزءٍ من دورهن في واقعٍ يضيق بهن.

وسط كل ذلك، لم تكن آيات بعيدة عن التجربة نفسها.. نزحت كما نزح غيرها، أعادت ترتيب حياتها أكثر من مرة، وبنت عملها من الصفر في كل مرة.

"أن تدير مشروعًا صحيًا في بيئةٍ تتغير باستمرار، حيث يصبح الحفاظ على استمرارية الخدمة إنجازًا يوميًا بحد ذاته، يحتاج إلى صبرٍ طويل، وقدرةٍ على التكيّف مع واقعٍ لا يستقر".

كان عليها أن تدير مشروعًا صحيًا في بيئةٍ تتغير باستمرار، حيث يصبح الحفاظ على استمرارية الخدمة إنجازًا يوميًا بحد ذاته، يحتاج إلى صبرٍ طويل، وقدرةٍ على التكيّف مع واقعٍ لا يستقر.

حين جاء خبر الجائزة، لم يكن مجرد لحظة احتفاء، بل وقفة أمام ما تحقق رغم كل شيء.. سبعة أسماء فقط على مستوى العالم، وكانت هي الوحيدة من هذه المنطقة.

تنظر آيات إلى ما تقوم به كجزءٍ من صورةٍ أكبر، حيث لا يُقاس العمل بحجمه، بل بقدرته على الاستمرار، "وما يبدو بسيطًا من الخارج، يحمل في داخله جهدًا متراكمًا".

شعورٌ بالدهشة امتزج بفخرٍ هادئ، ليس لأنها فازت، بل لأن هذه التجربة، بكل ما فيها من تعبٍ وتحديات، وصلت.

تنظر آيات إلى ما تقوم به كجزءٍ من صورةٍ أكبر، حيث لا يُقاس العمل بحجمه، بل بقدرته على الاستمرار، وما يبدو بسيطًا من الخارج، يحمل في داخله جهدًا متراكمًا، ومحاولاتٍ لا تتوقف لإبقاء الحد الأدنى من الحياة قائمًا.

تختم: "العمل الإنساني، مهما ضاقت به المساحات، يجد دائمًا طريقةً ليبقى، ليس لأن الظروف تسمح بالضرورة، بل لأن هناك من يصرّ على ذلك".

كاريكاتـــــير