شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 16 ابريل 2026م11:25 بتوقيت القدس

رواية لكاتبها سعيد أبو غزة..

"نبض اللحظات الأخيرة".. ساحة "حبٍّ" في مشفى

16 ابريل 2026 - 09:10

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في زمنٍ تداخلت فيه أصوات القصف مع أنين الفقد ووجع الفراق، وتحوّلت فيه غرف العمليات في مستشفيات غزة إلى خطوط مواجهة، تأتي رواية "نبض اللحظات الأخيرة" للروائي سعيد أبو غزة، لا بوصفها عملاً أدبيًا منفصلًا عن الواقع، بل كامتدادٍ حيّ له، كأنها تُكتب من داخل الجرح وليس من خارجه.

لا يكتفي النص بتسجيل ما جرى، بل ينفذُ إلى ما هو أعمق.. إلى تلك المنطقة التي يتعرّى فيها الإنسان من كل يقينه، ويُترك أمام سؤالٍ واحد: "كيف يمكن أن يبقى إنسانًا في زمنٍ يفقد فيه كل شيء معناه؟".

في خان يونس، حيث تدور أحداث الرواية، لا يكون المستشفى مكانًا للعلاج فقط، بل يتحوّل إلى كيانٍ حيّ، يئنّ تحت الحصار، ويتحمّل ما لا تحتمله الجدران.

الممرات الضيقة، وغرف العمليات، وسيارات الإسعاف، والأنقاض المحيطة، كلها ليست خلفية للأحداث، بل جزءٌ من نسيجها، كأن المكان نفسه يروي ما يحدث! وفي قلب هذا العالم تقف الطبيبة يسرى كامرأة عادية وجدت نفسها أمام خياراتٍ غير عادية.

البقاء في المستشفى المحاصر لم يكن قرارًا سهلاً عليها، لكنه شكّل امتدادًا لمعنى وجودها.. أن تغادر يعني أن تتخلّى ليس عن المرضى فقط، بل عن نفسها أيضًا.

كل شخصية هنا ليست تفصيلًا، بل جزء من سردية أوسع، تُظهر كيف يمكن للإنسان أن يستمر رغم كل ما يُسحب منه.

حولها، تتشكّل لوحة إنسانية كثيفة، أطباءٌ وممرضون يواصلون العمل رغم الإنهاك ونقص الإمكانات، ومسعفون يركضون بين الحياة والموت، وأطفالٌ فقدوا عائلاتهم، وأمهاتٌ يبحثن عن أثرٍ لأبنائهن.

كل شخصية هنا ليست تفصيلًا، بل جزء من سردية أوسع، تُظهر كيف يمكن للإنسان أن يستمر رغم كل ما يُسحب منه، وفي المقابل، لا يقدّم النص صورة نمطية للخصم، بل يضعه في مواجهةٍ مع فراغه الأخلاقي.

عبارة صغيرة محفورة على قلادة أحد الشهداء "العاشق لا يستسلم"، تكفي لخلق شرخٍ داخلي، يكشف هشاشة القوة حين تُواجه معنى لا يمكن سحق، فالحب في هذه الرواية لا يأتي كزينةٍ لغوية، بل كفعل مقاومة.

يتجلّى في لحظةٍ يحتضر فيها شاب جريح بين ذراعي الطبيبة، ويطلب منها أن توصل رسالته الأخيرة.. هناك، لا يكون الموت نهاية، بل مساحةً يتشبّث فيها المعنى بالبقاء.

ومن خلال تفاصيل العمل الطبي تحت القصف، تنكشف أسئلة أكثر قسوة: "من يُنقذ أولًا؟ ومن يُترك؟" ليست مجرد قرارات مهنية، بل امتحانات أخلاقية يومية، تُجبِر الإنسان على مواجهة حدوده.

في النص تحضر الأمومة أيضًا كظلٍ لا يغيب، كذاكرةٍ تحاول أن تبقى رغم كل محاولات الاقتلاع، عبر علاقة الطبيبة بأطفالها، وفي وجوه الأطفال الذين يبحثون عن أمهاتهم، يصبح هذا الحضور أكثر من مجرد عاطفة، بل تعبيرًا عن الاستمرار.

لا تنفصل الرواية عن تاريخ المكان، حيث تستدعي خان يونس بكل ما مرّ بها، لتؤكد أن ما يحدث ليس طارئًا، بل امتدادٌ لسلسلة طويلة، ومع ذلك، لا تنتهي الحكاية بإجابة، بل تُبقي السؤال مفتوحًا: "كيف يمكن مواجهة من لا يخاف الموت؟".

"نبض اللحظات الأخيرة" ليست مجرد رواية عن الحرب، بل عن الإنسان حين يُختبر في أقصى حالاته كدرًا وصعوبة، وعن قدرة الحياة على أن تجد طريقها، حتى وهي محاصرة.

كاريكاتـــــير