شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 27 ابريل 2026م15:50 بتوقيت القدس

بريشةٍ من أمل يعيد "عبيدة" بناء غزة التي أحب

27 ابريل 2026 - 13:51

في زاوية المرسم، حيث تتنافس رائحة الألوان مع هواء غزة العليل، يجلس عبيدة أبو سليمان (14 عامًا) أمام ورقة بيضاء ، يمسك ريشته بحذرٍ يشبه تمسكه بالحياة نفسها، يثبّت الورقة أمامه، ينحني قليلًا، وتبدأ الألوان بالانسياب تحت يده، كأنها تترجم وجعًا لا يوصف.

لم يكن الرسم يومًا جزءًا من عالم عبيدة، كان كما غيره من الأطفال، تملأ قدماه الطريق جريًا، وتملأ أحلامه تفاصيل بسيطة لم تكتمل ثم جاء ذلك اليوم.

يقول بصوت يحاول أن يبدو هادئاً:""لا يمكنني أن أنسى تلك اللحظة التي غيّرت حياتي كلها، كنت أسير مع والدي في أحد شوارع غزة حين وقع الانفجار"، أُصيب الاثنان، وقف والده أمام ما جرى عاجزًا عن تقديم أي مساعدة، في لحظة ما تزال عالقة في الذاكرة، تحمل غصة وقهر، يقول لـ نوى:" كلانا أُصيب في القدم، لكن ما يؤلمني حتى اليوم أنني لم أستطع إسعافه".

في مستشفيات غزة آنذاك، كانت الممرات تضيق بالجرحى، والأدوية شحيحة، والأطباء يفاضلون بين جروح لا تحتمل الانتظار، في هذه الفوضى الطبية، مرّت إصابة عبيدة في ظروف بالغة القسوة، وخرج منها بجسد ناقص وروح مثقلة بالألم.

يصف والد عبيدة حالته بعد الإصابة :" كان دائم الشعور  بالغضب والحزن،  هو مجرد طفل أراد أن يلعب ويركض، فإذا بالإصابة تقيّده وتتركه وحده مع مشاعره وحين يعجز الكلام، يبحث الإنسان عن لغة أخرى وجدها عبيدة في الريشة".

كانت عائلة عبيدة ، وجّهت  اهتمامه نحو هواية تساعده وتخفف من آلامه النفسية، فكان الرسم هو الأقرب إليه، ومع الوقت، بدأ يعبر بريشته عن عالمه الداخلي، ويرسم أحلامه، كما يوثق الواقع القاسي من حوله.

يقول والده: "الرسم كان من أهم الأمور التي ساعدت عبيدة على استعادة وعيه وإدراكه"، مضيفًا: "في كل مرة يناديني ليريني رسمة جديدة، أشعر أن حالته النفسية تتحسن".

""بعد إصابتي بدأتُ أتعلم الرسم بمساعدة أخي، واليوم أرسم بمفردي"، يقول، وفي صوته شيء يشبه الاكتشاف، بينما تتناثر أوراقه على طاولة صغيرة داخل المرسم، وقد رسم بيوت مهدّمة وقيود مكسورة وطيور تحاول الارتفاع، يرسم ما يراه، ويرسم ما يتمناه، وأحيانًا يرسم ما لا تستطيع الكلمات الحديث عنه.

يقول لـ نوى:" من خلال الرسم أمنح نفسي الأمل، وأوصل رسالتي للعالم، رسمتُ الحيوانات والطيور، والبيوت المدمرة، وآثار الحرب على غزة، ورسمتُ قيود الأسرى وحمامة الحرية، لأقول للعالم: لا تتركوا الأسرى وحدهم".

يقول والده الذي يراقبه من بعيد بابتسامة فيها شيء من الارتياح :" كلما ناداني ليريَني رسمة جديدة، أشعر أن حالته تتحسن".

يعيش عبيدة مع عائلته في مخيم للمصابين بمنطقة الزوايدة وسط القطاع، يتوفر بداخله مرسم يتيح للأطفال مساحة للتعبير عن أنفسهم، وبالنسبة لـ عبيدة يعد الحيز الوحيد الذي يتساوى فيه مع أقرانه؛ لا فرق هناك بين من يمشي على قدمين ومن يمشي على واحدة، الفرق الوحيد هو ما تتركه الريشة خلفها.

تأمل العائلة أن تكتمل الصورة وأن يسافر عبيدة لتركيب طرف اصطناعي، إذ إن بتر أسفل الركبة يحتاج إمكانيات ليست موجودة في غزة اليوم، وحتى يتحقق الحلم، يبقى المرسم وطن عبيدة الصغير، يجلس كل يوم، يمسك ريشته، وينحني فوق الورقة، لا يحتاج أن يشرح كثيرًا، ألوانه تقول ما يعجز عنه الكلام، وريشته تمشي حيث لا تبلغ قدمه.

كاريكاتـــــير