بخطى متسارعة، تمكّنت مجموعة من نساء مخيم جنين العودة إلى منازلهن، الملاذ الذي اختزن سنوات العمر كلّها، هناك، حيث أنجبن وكبر أطفالهن، حتى نضجت الأحلام وتكوّنت الحكايات الأولى بين المدارس والأعراس، واللّمات العائلية.
كانت المنازل عامرة، وتضج بالتفاصيل، وصولًا إلى فترة لم يبقَ منها سوى رمادٍ وجدرانٍ مهدّمة، وما كان يومًا حياةً كاملة، تحول إلى غصة دائمة في القلب بعد الهدم والتدمير والتفجير، وبالطبع هذه القصّة بطلها "غول" كما يصفه الناس، يطلق عليه احتلال.
نحو مئةٍ وعشرين سيدة دخلن ما تبقّى من المخيم، لا يحملن حقائب، بل ذاكرةً أثقل من أن تُترك، جئن ليبحثن بين الركام عن أثرٍ لبيت، أو زاويةٍ نجت، أو شيءٍ صغير يقول إن حياة كانت هنا، قلوبهن سبقت أقدامهن، تلهث شوقًا وخوفًا، إلى مخيمٍ غادرنه قسرًا قبل عامٍ ونصف.
وكانت سلطات الاحتلال أعلنت عن السماح بزيارة المخيم لمرة واحدة، تهافتت النساء على تسجيل أسمائهن لدى الارتباط،
وكانت سلطات الاحتلال أعلنت عن السماح بزيارة المخيم لمرة واحدة، تهافتت النساء على تسجيل أسمائهن لدى الارتباط، كنّ يعلمن أن الطريق لن يكون سهلًا، لكن أحدًا لم يتخيّل أن عشرة أمتار تفصلها عن المخيم ستتحول إلى ساعات من الإجراءات والإذلال.
تروي عبير الصايغ لـ نوى ما حدث:"أجبرونا على الوقوف بجانب الحائط في ساحة أحد المنازل، ورقّموا أيدينا وفق تقسيمات الاحتلال في المخيم، ثم أخضعونا لتفتيش شخصي دقيق، حاولت الرفض وأخبرتهم بتراجعي عن الدخول، لكنهم أصروا".
لم تكن سحر الرخ غريبة عن التفتيش؛ سبق أن مرّت به حين زارت ابنها في سجون الاحتلال. لكنها تقول إن ما جرى عند مدخل المخيم كان أشد وطأة: "قُسّمنا إلى مجموعات من عشر نساء، وطُلب من كل واحدة تحديد موقع منزلها وفق تقسيمات الاحتلال بين( C1 وC2 وC3)، لم نعرف مناطقنا بهذه المصطلحات، ثم جاء التفتيش، والانتظار، والدخول برفقة الجنود".
كانت الصايغ والرخ تعلمان مسبقًا أن منزليهما هُدما، ومع ذلك أصرّتا على المجيء، كان الشوق إلى المكان أقوى من أي شيء آخر، حتى من اليقين بأن كل ما كان هناك لم يعد موجودًا، لكن حين وصلتا، تثاقلت خطواتهما أمام حجم الدمار، تقول إحداهن: "شاهدنا بعضه على وسائل الإعلام، لكن الصور لم تنقل إلا جزءًا يسيرًا من الواقع".
منزل الصايغ تعرّض للهدم والقصف ثلاث مرات، آخرها قبل أكثر من ثلاث سنوات، ومنذ ذلك الحين والعائلة نازحة، لم تعد هذه المرة لتبحث عن جدران تعرف أنها أُسقطت، بل عن حديقة أنشأها والدها على ركام منزلهم الأول الذي هدمه الاحتلال عام 1991، حين مُنعوا من البناء في المنطقة، تقول: "كانت تلك الحديقة جنتنا في المخيم، وحُرمنا منها الاحتلال".
على بُعد خطوات، وقفت الرخ أمام أكوام من الركام تقول: "يجب أن نصدّق أن منازلنا لم تعد موجودة لكننا لا نزال مرتبطين بالمخيم وذكرياتنا فيه". وتروي كيف أن هذا التمسك أدهش قائد فرقة الاحتلال، الذي بدا مستغربًا من الإرادة التي تدفع النساء للتشبث بحجارة منازلهن المهدمة وآثارها.
لا تخفي الرخ أن النساء بكين كثيراً أمام حجم الدمار الذي طال مخيمهن ومنازلهن، وشوه ذكرياته المحفورة في الذاكرة، لكن في نهاية المطاف تماسكت النسوة، وبدأن بالبحث عن أي متعلقات في ركام منازلهن.
خرجت الرخ تحمل زيتًا وزعتر صنعته امرأة فلسطينية رحلت قبل أن تمنح فرصة العودة إلى بيتها، وحملت أخرى مرآة، وأحضرت ثالثة جرّة من الفخار.
فتّشت النساء فيما تبقى من منازلهن على الوثائق الشخصية، وبعض الملابس، والزيت، وما يمكن إنقاذه من بيوت كانت تضج بالحياة.
ذهبت أم فادي وهدان إلى المخيم، أملًا في إيجاد أي شيء يخص نجلها الشهيد أو شقيقه الأسير، فلم تجد سوى الرماد، تقول لـ نوى:" بادرت بالذهاب رغم أنني كنت أعلم أن المنزل أُحرق بالكامل، أربعة طوابق لم أجد فيهم شيئاً، تحول المنزل إلى رماد، وحين كنت أغادر، وقعت عيني على قدرين محترقين وكانون للشواء، حملته معي لأنه يحمل ذكرى أيام كنا نتجمع حوله كعائلة، واليوم باتت العائلة مفرّقة بلا بيت".

ما شهدته النساء في أزقة المخيم لم يكن دمارًا عشوائيًا كما توضح فرحة أبو الهيجا، عضو اللجنة الشعبية لخدمات مخيم جنين لـ نوى:" لم تكن الجولة مجرد تفقّد للأنقاض، بل كشفت عن استراتيجية ممنهجة لقطع الصلة الجغرافية للاجئ بمحيطه، وجد الأهالي أنفسهم أمام خريطة مشوّهة تمامًا، بيوت استُبدلت بشوارع عسكرية، وحارات مُحيت ملامحها، ورافق جنديٌّ كل امرأة في رحلة البحث عن ركام منزلها".
تشير أبو الهيجا أن عدد النازحين من قلب المخيم بلغ نحو سبعة عشر ألف شخص، يرتفع إلى اثنين وعشرين ألفًا حين يُضاف إليهم سكان أحياء الجبريات والهدف والزهراء، محذرة من موجات تهجير إضافية في ظل تهديدات بإخلاء مربعات سكنية في منطقة شارع حيفا، تختم: "يسعى الاحتلال إلى تحويل حلم العودة إلى صدمة نفسية محبطة، عبر رسالة صامتة مفادها أن المخيم الذي يعرفونه لم يعد موجودًا"
لكنّ النساء اللواتي عدن يحملن الزيت والزعتر وما تبقّى من رماد، لم يحملن بيوتهن بأيديهن، بل حملنها في ذاكرةٍ لا تُهدم. هناك، بين ما تهدّم وما نجا، بقي المخيم حيًّا في التفاصيل الصغيرة، وفي الشوارع التي لم تُمحَ من الوجدان، كأن العودة نفسها صارت شكلًا آخر من أشكال التمسّك بالحياة.
























