شبكة نوى، فلسطينيات: تجلس الخمسينية ابتسام الهيقي داخل خيمتها المهترئة كمن يحاول تثبيت جسدٍ لم يعد يطاوعه الألم، في الخارج تتبدّل حرارة الطقس بين قسوة الصيف وبرودة الشتاء، لكن داخلها لا يتبدّل شيء سوى ازدياد الهشاشة في العظام واتساع مساحة الوجع.
منذ سنوات، أصبحت أيامها محكومة بقدرتها على تحمّل الألم، بين مرضٍ بدأ في الرحم والمبيض ثم تمدّد بصمتٍ إلى تفاصيل الجسد كلها، وواقعٍ لا يمنحها سوى مزيد من الإنهاك، هنا، حيث لا تهدأ المعاناة، يصبح البقاء نفسه شكلًا يوميًا من المعاناة.
خمس عمليات جراحية خاضتها في سنوات متفرقة، انتهت باستئصال الرحم والمبيض، لكنها لم تُنهِ الألم. بل تركت جسدها في حالة هشاشة متقدمة،
خمس عمليات جراحية خاضتها في سنوات متفرقة، انتهت باستئصال الرحم والمبيض، لكنها لم تُنهِ الألم. بل تركت جسدها في حالة هشاشة متقدمة، عظامًا ضعيفة، وآلامًا مزمنة لا تتوقف، وعلاجًا بات بعيد المنال في ظل الظروف الحالية.
تقول ابتسام بهدوء من اعتادت الألم: "استيقظ كل يوم على همّ جديد، فلا صحة تسندني ولا أمان يخفف عني".
لم يبدأ المرض مع الحرب، لكنه ازداد قسوة تحت وطأتها. قبل سنوات، ظهرت مشكلات في الرحم والمبيض، ظنّت أنها عابرة، لكن الكتل عادت في كل مرة، وتكررت العمليات، وبينها كان جسدها يُستنزف بنزيف حاد وآلام مستمرة، دون الوصول إلى حلّ جذري.
وحين استُنفدت الخيارات الطبية، تقرر استئصال الرحم والمبيض بالكامل، أوقف القرار النزيف، لكنه أدخلها في مرحلة جديدة من المضاعفات؛ اضطراب هرموني شديد أثّر على العظام والمناعة، وتسبب بظهور الروماتيزم وضعف البصر والإرهاق المزمن، في حالة تحتاج إلى متابعة طبية دقيقة غير متوفرة.
تقول ابتسام: "الحرب أخذت منا كل شيء، حتى الدواء اللي أحتاجه أصبح بعيد المنال".
تقول ابتسام: "الحرب أخذت منا كل شيء، حتى الدواء اللي أحتاجه أصبح بعيد المنال". تعيش الهيقي داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الصحية، من تهوية مناسبة إلى نظافة أو مساحة للراحة، ومع تقلب الطقس وسوء البيئة، تتفاقم
تستيقظ ابتسام كل يوم على هم جديد، فلا صحة تسندها ولا أمان يخفف عنها، وحتى الاستقرار لم يعد موجوداً في حياتها، ورغم أن مرحلة ما بعد العمليات كانت تتطلب رعاية خاصة وفترة نقاهة، لكن الظروف حرمتها من ذلك، لتجد نفسها مجبرة على التعايش مع الألم دون علاج كافٍ.
وتضيف: "الحرب أخذت مني كل شيء، حتى الدواء الذي أحتاجه أصبح بعيد المنال، ولا أستطيع توفيره"، مشيرة إلى أن معاناتها لم تعد تقتصر على المرض، بل امتدت لتشمل تفاصيل الحياة اليومية التي باتت أكثر صعوبة وتعقيداً.
وتتابع حديثها بألم: "أعيش بين المرض والخوف وضيق الحال، فلا بيت يؤوينا ولا دخل يساعدنا، وحتى الطعام الذي نتناوله لا يناسب حالتنا الصحية، ونخشى دائماً ما قد يأتي به الغد".
ولا يقتصر الأمر على الجانب الصحي أو الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل حالة من القلق المستمر والخوف من المستقبل، في ظل غياب أي أفق واضح لتحسن الأوضاع، فكل يوم يمر يحمل معه تحديات جديدة، تزيد من شعورها بالعجز، وتعمّق من معاناتها النفسية.
المرض والفقر ليس كل ما تحمله ابتسام، فوق كل ذلك يسكنها قلق لا يهدأ من غد لا تعرف ما يحمله، تبات ليلتها وكل ما تحلم به اليوم، دواء في الموعد، وطعام يناسب جسدها، وسقف لا يخذلها صيف أو شتاء.
























