غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"نظر إليّ ولم يعرفني، ناديته باسمه، فحدّق بي وكأنني غريبة تمامًا عنه". بهذه الكلمات تختصر أسماء السلطان مأساة قلبها التي بدأت في مساء التاسع عشر من آذار/ مارس 2025م، حين انقلبت حياتها رأسًا على عقب.
في ذلك المساء، كان زوجها جميل كمال السلطان، البالغ من العمر (36 عامًا)، متوجهًا للمشاركة في عزاء صديقه المقرّب وسيم مبارك، الذي قُتل مع عائلته في غارة جوية إسرائيلية، لكن مكان العزاء، في دوار السلاطين غربي غزة، تحوّل هو الآخر إلى هدف مباشر للطائرات.
سقطت الصواريخ وسط المعزين، وخلفت (24) شهيدًا وعشرات الجرحى. من بينهم جميل، الذي اخترقت شظيةٌ رأسه، وأتلفت جزءًا كبيرًا من دماغه.
سقطت الصواريخ وسط المعزين، وخلفت (24) شهيدًا وعشرات الجرحى. من بينهم جميل، الذي اخترقت شظيةٌ رأسه، وأتلفت جزءًا كبيرًا من دماغه.
تحكي أسماء ما جرى بصوتٍ مكسور: "جميل، الرجل المفوّه الذي كان يواسي أهالي الشهداء بكلمات فيها من الحنان ما يخفف وجعهم، تحوّلت مشاركته الإنسانية تلك إلى مأساة سلبته الكلام والذاكرة، وحتى القدرة على الحركة".
كان جميل وحيد والديه، زوجًا محبًا وأبًا لثلاثة أطفال: كمال (9 أعوام)، وحنان (6 أعوام)، وتقى (عامان). أصيب ودخل في غيبوبة استمرت 13 يومًا. وعندما أفاق، لم يعرف أسماء رفيقة عمره، ولا أبناءه. كان جسده حاضرًا، لكن روحه تاهت خلف الإصابة.
تتابع حديثها لـ"نوى": "أفاق من الغيبوبة وكان ذلك مزيجًا من الفرحة والخذلان. الأطباء أنفسهم كانوا قد فقدوا الأمل. لكنه عندما عاد إلى الوعي، لم يعد هو، لم يكن قادرًا على البلع أو الكلام، ولا على تمييز من حوله".
"كان يحدق فيّ كما لو كنت غريبة، وكأن التسع سنوات التي جمعتنا اختفت مع تلك الشظية" تقول أسماء، وعيناها ترحل إلى الماضي الذي بدا وكأنه انطفأ فجأة.
وتضيف: "قال لي الأطباء إن مجرد نجاته معجزة. كانوا على وشك فصل الأجهزة، لكنه استجاب في اللحظة الأخيرة. شُفي من الموت، لكنه لم ينجُ من أثره. جميل الذي أعرفه لم يَعُد كما كان".
الآن، يقيم جميل في مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي، داخل غرفة صغيرة تغمرها الأجهزة والأنابيب. لا يتحرك، ولا يأكل إلا عبر أنبوب، ولا يتواصل إلا بإشارات شبه غائبة.
تقول زوجته: "أبلغنا المستشفى أن عليه المغادرة لإفساح المجال لحالات أخرى. نحن نازحون في خيمة، ووضعه الصحي لا يحتمل".
وتستعيد أسماء تفاصيل حياته: "كان إمام مسجد، حافظًا للقرآن، صوته العذب في الفجر كان سببًا في امتلاء المسجد. حتى الأطفال أحبوا القرآن من طريقته في التعليم. الآن، لا يستطيع حتى نطق اسمه، والقرآن بات صامتًا حيثما كنا".
أثر الإصابة لم يترك جميل وحده، بل مسّ كل العائلة. كمال، الابن الأكبر، لا يفهم ما الذي جرى. يسألها يوميًا: "بابا ليش ما بيحكي معنا؟"، وليس لديها إجابة. أما تقى الصغيرة، فتنتظر والدها يوميًا على أمل أن يعود إلى البيت ويعطيها كيس الحاجيات التي اعتاد أن يجلبه لها كل مرة ويعطيها إياه بيده.
"لم أعد قادرةً على البكاء. الدموع تجمّدت في عيوني. ما تبقى فيّ مخصص لأطفالي، ولرجل فقد كل شيء، حتى صوته".
النكبة لم تتوقف هنا. بعد أسابيع من إصابة زوجها، جاء أسماء خبر استشهاد شقيقها الأكبر رامي وعائلته في قصف على بيتهم في بيت لاهيا. صدمة لم تجد وقتًا للحزن عليها.
تقول بصوت متماسك رغم كل شيء: "لم أعد قادرةً على البكاء. الدموع تجمّدت في عيوني. ما تبقى فيّ مخصص لأطفالي، ولرجل فقد كل شيء، حتى صوته".
وتتابع: "جميل بحاجة دائمة لعناية. كرسي متحرك، حفاضات طبية، أنبوب تغذية. نحن بلا معيل، بلا دعم، وسط نظام صحي منهار ومحاصر".
ورغم كل ذلك، لا تفكر أسماء بالتخلي: "حتى لو لم يعرفني، أنا أعرفه. جسده أمامي، وروحه معي، ولو خبأتها الغيبوبة خلف ركام الحرب".
شبكة نوى، فلسطينيات: "حتى لو لم يعرفني، أنا أعرفه. جسده أمامي، وروحه معي، ولو خبأتها الغيبوبة خلف ركام الحرب"
تُغمض عينيها وتهمس: "أتخيله يقرأ لي سورة مريم كما كان يفعل في ليالي الشتاء. لكنني أفتح عينيَّ فأجده جسدًا لا ينطق، فأعود من الحلم إلى هذا الواقع الموجع، حيث جميل لا صوت له، ولا ملامح مما كانه ذات يوم".
تختم حديثها وهي تطوي دفترها الصغير الذي تدون فيه كل تفصيلة عن حالة زوجها: "جميل مش رقم. كان إمام، وأب، وزوج، وإنسان. كل اللي بطلبه نُعامل كبشر، مش أرقام في نشرة أخبار".
ما جرى مع أسماء وجميل ليس قصة استثنائية في غزة. بل واحدة من آلاف الحكايات العالقة بين الحياة والموت، بين الذاكرة والنسيان، في وجه حربٍ لا تتوقف، وعالمٍ يختارُ أن يصُمّ أذنيه.
























