شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 03 ابريل 2026م00:34 بتوقيت القدس

بعد أن كان متنفّس غزة اختنق بأوجاع قاصديه..

نزوحٌ إلى "الميناء".. لا ظلّ ولا ماء!

02 يونيو 2025 - 02:51

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يفترش سيف النصر الحِبل، النازح من حي المنشيّة ببيت لاهيا، شمالي مدينة غزة، رمال ميناء غزة البحري تحت خيمة مهترئة اشتراها بالدَّين بعدما عجز عن إيجاد مكان يؤويه وعائلته من نيران الحرب.

يقول بحرقة: "درجة حرارة الخيمة لا تُطاق، ما جاء بنا إلى هنا أنه لم يعد هناك متسعٌ لنصب خيمةٍ بغزة"، مشيرًا إلى ظنّه أن وجوده قرب البحر قد يلطّف عليه لهيب الصيف في ظل النزوح، لكنه وجد العكس "جهنّم هنا".

ولم تكن خيمة الحِبل استثناءً، فقد أصبح ميناء غزة البحري، الذي كان متنفسًا للأهالي ومقصدًا للنزهات البحرية، ملجأً لمئات العائلات النازحة من شمالي قطاع غزة، وسط أوضاعٍ إنسانيةٍ خانقة، وغيابٍ شبه تام لأيّ خدمات إغاثية أو مساعدات إنسانية.
ويحكي الحِبل لـ"نوى": "أُلقيت فوق رؤوسنا أوامر الإخلاء، ونادت علينا الكواد كابتر كي نجلي المنطقة، ثم بدأ القصف المدفعي والرصاص الحي (..) لم يكن لدي خيار سوى الخروج للنجاة بأطفالي الخائفين، ولم أجد مكانًا في أي مخيمات، ولا في أية مدارس. قررت اللجوء إلى الميناء".

في الميناء، يغسل الرجل وعائلته ملابسهم وأواني المطبخ بمياه البحر، بينما يقطع أطفاله مسافات بعيدة للغاية؛ لجلب مياه صالحة للشرب.

منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، نزح سيف النصر مع عائلته ست مرات، وخلالها تعرض منزله للهدم الجزئي. حاول ترميمه بمواد بسيطة ووضع بعض الشوادر لكن القصف منذ بدء أوامر الإخلاء لم يتوقف لحظة، وفق وصفه.
في الميناء، يغسل الرجل وعائلته ملابسهم وأواني المطبخ بمياه البحر، بينما يقطع أطفاله مسافات بعيدة للغاية؛ لجلب مياه صالحة للشرب.

في أنحاء متفرقة من الميناء يُخيّم اليأس والمعاناة والجوع على وجوه النازحين المتكدسين داخل خيام مهترئة، نُصبت على رمال وحجارة في ظل حرارة صيف قاسية، وحرب إبادة، وحصار خانق وغياب أبسط مقومات الحياة.
أم أحمد طه، النازحة من مدرسة إيواء في مخيم جباليا، تعيل ثمانية أبناء وزوجها أسير لدى الاحتلال منذ عام ونصف.

تقول لـ"نوى": "خرجت من المدرسة بعد ليلة تشبه أهوال يوم القيامة، حزامات نارية وقنابل دُخانية وضوئية. مشينا في شوارع الشمال دون وجهة، إلى أن هاتفني أخي النازح في الميناء، وأخبرني بوجود مكان فارغ بجانبه، وهناك تكفّل أهل الخير بتأمين خيمة تؤويني وأطفالي".

تصف أم أحمد وضعها الإنساني بالصعب جدًا، وتكمل: "نأكلُ وجبة واحدة يوميًا، وأحيانًا نقضي يومنا بلا طعام. ابني الصغير )عام ونصف) ينام أحيانًا وهو يبكي لشدة الجوع".

"الإعلامي الحكومي" بغزة: "الاحتلال هجّر قسرًا نحو 300 ألف مواطنٍ من شمالي قطاع غزة، إلى مدينة غزة، ودمّر قرابة ألف وحدة سكنية، محذرًا من كارثة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم".

ويزيد: "كان زوجي يعمل بأجرة يومية ليسد رمق أطفالنا. اليوم لا أستطيع تلبية أبسط احتياجاتهم"، وبعد برهةٍ من الصمت بكت، وأقسمت: "واللهِ لم نذق طعم الخبز والطحين منذ شهرين ونصف".

وفي بيان صحفي، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة أن الاحتلال هجّر قسرًا نحو 300 ألف مواطنٍ من شمالي قطاع غزة، إلى مدينة غزة، ودمّر قرابة ألف وحدة سكنية، محذرًا من كارثة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم.

وعدّ المكتب أن ما يجري في شمالي القطاع "جريمة تطهير عرقي وإبادة جماعية مكتملة الأركان ترتكبها قوات الاحتلال أمام أنظار العالم".

ودعا إلى تدخل دولي فوري وفاعل لوقف المجازر، وإرسال فرق إنقاذ دولية، وفتح معابر القطاع لإدخال المساعدات الإنسانية والطبية، ومحاسبة قادة الاحتلال أمام المحاكم الدولية.
ويشرف مهران صبيح، من سكان عزبة بيت حانون، شمالي قطاع غزة،  على أحد مخيمات النزوح داخل ميناء غزة، إذ يضم 80  خيمة تؤوي حوالي 90 عائلة.

يقول لـ"نوى": "من يملك المال هنا يستطيع أن يأكل، ومن لا يملكه ينام وأطفاله بجوعهم. كنا نستطيع توفير بعض المساعدات قبل إغلاق المعابر، أما الآن فنكتفي بأخذ بيانات العائلات لكن دون جدوى، لأن كل المؤسسات اعتذرت عن تقديم أي شيء؛ لعدم توفر الطرود الغذائية أو أي مساعدات إنسانية".

"من يملك المال هنا يستطيع أن يأكل، ومن لا يملكه ينام وأطفاله بجوعهم. كنا نستطيع توفير بعض المساعدات قبل إغلاق المعابر، أما الآن فنكتفي بأخذ بيانات العائلات".

ويضيف: "الأوضاع في الميناء مأساوية للغاية، هناك نقص حاد في المياه النظيفة والطعام ومستلزمات النظافة، وبعض العائلات بقيت ليالٍ بدون خيام.  نامت على الرمال حتى تمكنا من توفير خيام مستعملة لهم من أهل الخير".
ووسط هذا المشهد المؤلم،  يتساءل النازحون في خيامهم البائسة: "إلى متى سيظل العالم صامتًا أمام مأساة تمتد على رمال الميناء وشوارع غزة؟ إلى متى سينتظر وهو يرى الأطفال جياعًا ينتظرون لقمةً تسد رمقهم؟ والعائلات تنتظر المجهول تحت شمس الصيف التي لا ترحم، ولظى الحرب التي لا تنطفئ!

كاريكاتـــــير