غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
إلى الشمال من مدينة غزة، وتحديدًا عند مفترق الجلاء، يقف بائع "السولار الصناعي" محمد علوان، وسط حركة نشطة من سائقي الأجرة والمواطنين الباحثين عن بدائل للوقود التقليدي.
بدأ الرجل العمل في هذا المجال مع بداية الأزمة، "وكان الإقبال وقتها محدودًا بسبب تخوف الناس من جودة المنتج، لكن مع اشتداد الأزمة، وارتفاع أسعار الوقود الطبيعي، أصبح الطلب على الوقود الصناعي متزايدًا بشكل كبير" يقول لـ"نوى".
و"الوقود الصناعي" هو بديل، لجأ إليه المواطنون في قطاع غزة، بعد إغلاق حكومة الاحتلال الإسرائيلية المعابر مع قطاع غزة، في الثاني من آذار/ مارس الماضي، حيث توقف إمداد القطاع بالوقود بشكل كامل، ما دفع الناس للبحث عن حلول أخرى.
ويحكي البائع علوان، أن غالبية زبائنه هم من سائقي الأجرة، في حين يشتريه مواطنون غيرهم لتشغيل البوابير المنزلية، بديلًا للكاز المعدوم في الأسواق.
ويعقب: "رغم العيوب التي قد تظهر نتيجة استخدام هذا النوع مع البدائل جراء الاستخدام الطويل، إلا أن السولار الصناعي، بات شريان حياة في بيوت وخيام الكثيرين داخل قطاع غزة".
ومع بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول لعام 2023م، دخل القطاع في أزمة وقود خانقة شلّت الكثير من مظاهر الحياة اليومية. توقفت وسائل النقل، وتعطلت الكثير من الخدمات الحيوية، حتى أبرم اتفاق وقف إطلاق النار، وبدأت المرحلة الأولى، فعاد ضخ الغاز والوقود إلى القطاع بشكل محدود ولفترةٍ بسيطة انتهت مع قرار "إسرائيل" العودة إلى الحرب.

وسط هذه الأوضاع العصيبة، برز فريق هندسي مكوّن من خمسة شُبّان استطاعوا تطوير آلية بديلة لاستخراج الوقود من المخلفات البلاستيكية؛ ليساهموا في تخفيف جزء من معاناة الناس في القطاع المحاصر.
يقول المهندس (غ. خ) الذي طلب كتابة اسمه على هيئة رموز خشية الاستهداف: "بدأت الفكرة مع تفاقم أزمة الوقود، وتوقف دخول السولار والبنزين الطبيعي خلال فترات الأزمات. سعينا لإيجاد حل يضمن استمرارية الحياة قدر الإمكان".
ويشرح تفاصيل العمل بقوله: "نجمع بقايا البلاستيك المنتشرة بكميات كبيرة، ونعمل على طحنها إلى حبيبات صغيرة لتسهيل حرقها داخل الأفران. ثم تعبأ الحبيبات في أكياس وتُرسل إلى الأفران الخاصة، حيث تُسخّن لدرجات حرارة معينة"، مضيفًا: "خلال العملية، يتحول البلاستيك إلى بخار، ثم يُكثف ويُبرد ليتم فصل مكوناته المختلفة، فنحصل على البنزين أو السولار".
"بعد التبريد والفصل، نخضع الوقود لتنقية إضافية لإزالة أي شوائب قد تكون عالقة، مما ينتج في النهاية بنزينًا أو سولارًا صالحًا للاستخدام المباشر".
ويتابع: "بعد التبريد والفصل، نخضع الوقود لتنقية إضافية لإزالة أي شوائب قد تكون عالقة، مما ينتج في النهاية بنزينًا أو سولارًا صالحًا للاستخدام المباشر".
وحول تكلفة الإنتاج وتسعيرة الوقود البديل، يوضح المهندس أن تكلفة البنزين والسولار البديل، تعتمد بشكل رئيس على أسعار المواد الخام، مثل أنواع البلاستيك والحطب اللازمين لتشغيل الأفران.
"ومع ذلك، يبقى سعره أقل من السولار الطبيعي، وقد يصل أحيانًا إلى نصف سعره في السوق السوداء" يزيد.
هذا الفارق جعل من الوقود الصناعي خيارًا مفضلاً أمام أصحاب السيارات والمشاريع الصغيرة، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للبحث عن بدائل تساعدهم على الاستمرار.
وداخل شوارع قطاع غزة المدمرة، يكافح سائقو الأجرة العمل بشكل يومي للحفاظ على مصدر رزقهم رغم ندرة الوقود التقليدي.

يقول عبد الكريم أبو زينة، وهو سائق أجرة منذ أكثر من عشر سنوات: "منذ بدأت الحرب، اعتمدت بشكل كامل على السولار الصناعي. حتى قبل الحرب كنا أحيانًا نلجأ له بسبب أزمات الوقود المتكررة في غزة. بالطبع أعلم أنه ليس بجودة السولار الطبيعي، وقد يؤدي إلى أضرار في محرك السيارة، لكن لم يكن أمامنا خيار آخر"، موضحًا أن السيارة هي مصدر رزقه الوحيد، "وإذا توقفت عن العمل، فسأفقد مصدر الدخل الذي أعتمد عليه لإعالة أبنائي".
ويتحدث عبد الكريم بحسرة عن التحديات التي تواجهه في عمله، فيقول: "قبل الحرب، كنت أعمل لساعات طويلة وأعود بدخل يغطي احتياجات أسرتي. اليوم، مع ندرة الوقود وخطورة التنقل، أصبح الأمر أكثر تعقيدًا".
"عندما وجدت أن السولار الصناعي أقل تكلفة من الوقود المتوفر في السوق السوداء لم أتردد في استخدامه. الركاب يطالبون بتعرفة معقولة، وأنا بحاجة إلى وقود أقل كلفة".
ويردف بقوله: "عندما وجدت أن السولار الصناعي أقل تكلفة من الوقود المتوفر في السوق السوداء لم أتردد في استخدامه. الركاب يطالبون بتعرفة معقولة، وأنا بحاجة إلى وقود أقل كلفة لكي أتمكن من الاستمرار في العمل (..) أعي أن هذا قد يتسبب بمشكلات للسيارة، إلا أنني مجبر على استخدامه حتى تمر هذه الأزمة".
ولم تقتصر الاستفادة من الوقود الصناعي على سائقي المركبات، بل بدأ العديد من أصحاب المشاريع الصغيرة بالاعتماد عليه؛ لتشغيل معداتهم، ما ساهم في استمرار بعض الأنشطة الاقتصادية، وإن كان ذلك بشكل محدود.
رائد أبو خوصة صاحب مشروع مولدات كهربائية تمد البيوت والمحلات بالكهرباء خلال ساعات محددة باليوم، يقول لـ"نوى": "قمت بتخزين كميات كبيرة من السولار الطبيعي قبل الإغلاق الأخير، لكنها بدأت تنفد. هنا لم أجد أمامي خيار إلا السولار الصناعي".
وتابع: "أقوم بخلطه مع السولار الطبيعي لاستمرار تقديم الخدمة للمواطنين الذين يلجؤون إلى تلك المولدات من أجل تلبية احتياجاتهم وأعمالهم".
ومع استمرار انسداد الأفق السياسي وتعنّت الاحتلال الإسرائيلي في التنصّل من التزاماته ببنود اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيّز التنفيذ في 19 يناير 2025م، يتمسّك أهالي غزة بكل وسيلة ممكنة تساعدهم على مواصلة حياتهم اليومية، رغم ما يواجهونه من تحديات إنسانية قاسية.
























