شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 03 ابريل 2026م00:34 بتوقيت القدس

غزة.. "الدفع الإلكتروني" يواجه شبح "العمولة"!

15 يناير 2025 - 14:51

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
على أطراف سوق مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، تقف رانيا سلامة داخل أحد المحلات التجارية الكبيرة، حاملةً بيدها بعض المشتريات، وهاتفها المحمول.

"صاحب المحل يقبل الدفع عبر المحفظة الإلكترونية" تقول لـ"نوى"، وتضيف: "بعد النزوح، فقدنا كل شيء تقريبًا. كنت قد ادّخرت بعض الأموال لكنها نفدت بالكامل، والآن أعتمد على بعض الأموال التي يرسلها لي والدي من الخارج فقط، ولا أستطيع سحبها كاش".

تشكو رانيا، النازحة من شمالي قطاع غزة، والأم لثلاثة أطفال، من المبالغ الكبيرة التي كانت تدفعها منذ بداية الحرب لمكاتب الصرافة من أجل سحب الأموال، التي تأتيها على شكل حوالة من الخارج.

"كنت أدفع ثلث قيمة التحويلة من أجل سحب المبلغ المالي، لكن بعد أن بدأت بعض الأماكن تسمح بالدفع الإلكتروني، صرت أشتري احتياجاتي من خلالها، دون أن أُثقل كاهلي بدفع العمولة".

وتقول: "كنت أدفع ما يقارب ثلث التحويلة من أجل سحب المبلغ المالي، لكن بعد أن بدأت بعض الأماكن تسمح بالدفع عبر المحافظ الإلكترونية، صرت أستقبل المال من أبي عليها، وأشتري احتياجاتي من خلالها، دون أن أُثقل كاهلي بدفع العمولة"، نافيةً أن تكون بعض المحال والبسطات التي تتعامل بها، قد زادت في سعر السلعة التي تباع به بسعر الكاش.
ومنذ أن بدأت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول لعام 2023م، توقفت معظم البنوك عن العمل بشكل كامل، إما بسبب تدمير فروعها بالقصف والحرق، أو بسبب تعطّل أنظمة الصراف الآلي.

يقف الحاج أبو أمجد ساق الله، أمام بسطة لبيع الخضروات، يضع صاحبها يافطةً للجمهور كتب عليها: "متاح لدينا الدفع عبر التطبيق البنكي".

أبو أمجد موظف حكومي متقاعد، وأب لستة أبناء، نزح من شمالي قطاع غزة بعد أن دُمّر منزله بالكامل، ويروي تجربته مع الدفع الإلكتروني فيقول: "الحرب لم تترك لنا خيارات كثيرة، لكن الفرق في الإنفاق بعد أن امتنعنا عن دفع العمولة كبير".

ويشكو أنه كان يدفع عمولة مالية بقيمة تصل في بعض الأحيان لـ 30% من قيمة المبلغ الذي يريد سحبه، قائلًا: "راتبي التقاعدي بالكاد يكفي لإطعام أبنائي، ولم يكن لدي في البداية خيار آخر سوى دفع العمولة وسحب المال".

وبابتسامة على وجهه، يشرح أبو أمجد التحدي الأكبر الذي واجهه بالدفع الإلكتروني، قائلًا: "لم أكن أتخيل أنني سأتفاهم مع التكنولوجيا بهذه السرعة، لكنها أنقذتني. ساعدني أبنائي في البداية على استخدام التطبيقات اللازمة، وبعد فترة اعتمدت على نفسي. نحن بحاجة ماسّة لأي وسيلة تخفف عنا هذا الواقع الصعب الذي نعيشه".

وفي منطقة مواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، تقف الشابّة منى حمدونة أمام صيدلية القرارة، حيث تريد شراء باكيت حفاضات لطفلها.

تقبل الصيدلية الدفع الإلكتروني، وهذا أعفى السيدة حمدونة، من دفع ما يقارب ثُلثي المبلغ الذي تريد سحبه لمكاتب الصرافة، من أجل الحصول على النقود؛ لتلبية احتياجاتها الأساسية.

وعند سؤالنا لمنى عن اختلاف الأسعار بين الكاش والتطبيق، أجابت: "بعض المحلات بالفعل تزيد سعر السلع لو كان الدفع إلكتروني، لكن الزيادة لا تتجاوز 2 شيقل، لكنها تعد زيادة مقبولة مقارنة بالعمولة الخاصة بمكاتب الصرافة".

وبحسب تقرير للبنك الدولي، فقد تسبب العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في تدمير نحو 93% من فروع المصارف العاملة في القطاع، بعد قرابة 15 شهرًا من الإبادة المتواصلة.

ولفت التقرير إلى أن 3 من أصل 94 ماكينة صراف آلي فقط، تعمل في عموم قطاع غزة، وفق بيانات متطابقة للبنك الدولي وسلطة النقد الفلسطينية.

"حرصت على أن تبقى أسعار الخضروات التي أبيعها مساوية لأسعار الدفع النقدي، ولم أضف فلسًا واحدًا".

يقول محمد أبو الخير (28) عامًا، وهو صاحب بسطة لبيع الخضروات في مواصي خان يونس، لـ"نوى": "اتخذت قرار بيع الخضروات إلكترونيًا؛ للتخفيف عن المواطنين في ظل الظروف القاسية التي نعيشها بسبب الحرب وارتفاع الأسعار".

ويضيف: "أقوم بشراء البضائع من التجار في الضفة الغربية باستخدام التطبيق، وعند شراء الزبائن مني، أعتمد نفس الوسيلة، فيتم تحويل الأموال للتجار مباشرة".

وأوضح أن ما يتبقى من المبيعات كمربح له "أحتفظ به في البنك كادخار لما بعد انتهاء الحرب ودخول الأموال، وعودة السيولة لوضعها الطبيعي".

وبشأن الزيادة في الأسعار على السلع عند البيع عبر التطبيق، يقول محمد: "حرصت على أن تبقى أسعار الخضروات التي أبيعها مساوية لأسعار الدفع النقدي، ولم أضف فلسًا واحدًا".

ويختتم حديثه بالقول: "بصفتي نازح، أشعر بعمق المعاناة التي يواجهها الناس، وصعوبة تأمين الأموال، لذلك أرى أن من واجبي مساندتهم بما أستطيع لتخفيف بعض الأعباء عنهم".

"هو جزء من خطة الشمول المالي، التي أعلنت عنها سلطة النقد قبل سنوات، لكنها لم تُنفذ بالشكل المطلوب بسبب غياب البنية التحتية للتكنولوجيا المالية، وضعف تغطية الإنترنت، وقلة وعي المواطنين".

ووفقًا للصحافي الاقتصادي أحمد أبو قمر فإن "الدفع الإلكتروني الذي يتم التعامل به حاليًا في غزة هو جزء من خطة الشمول المالي، التي أعلنت عنها سلطة النقد قبل سنوات، لكنها لم تُنفذ بالشكل المطلوب بسبب غياب البنية التحتية للتكنولوجيا المالية، وضعف تغطية الإنترنت، وقلة وعي المواطنين بتقنيات الدفع الحديثة".

وأوضح خلال مقابلةٍ مع "نوى"، أن الحرب الحالية أجبرت المواطنين في غزة على اعتماد الدفع الإلكتروني بسبب شح السيولة وارتفاع عمولة السحب النقدي، التي وصلت أحيانًا إلى 30%.

وقال: "حتى المواطنين البسطاء، الذين يفتقرون إلى الثقافة المالية، بدؤوا باستخدام المحافظ الإلكترونية، مما ساهم في تعزيز مفهوم الشمول المالي الذي تسعى إليه سلطة النقد".

"يجب أن تركز الجهود على تعزيز الوعي بكيفية الحفاظ على خصوصية الأفراد وسريتهم عند التعامل مع المحافظ الإلكترونية وكلمات المرور؛ لتجنب المخاطر الأمنية".

ويعني الشمول المالي تمكين غالبية أفراد المجتمع من استخدام التعاملات البنكية، والدفع الإلكتروني، والحد من الاعتماد على النقود الورقية؛ ليصبح الدفع عبر البطاقات البنكية الوسيلة الأساسية.

وأكد أبو قمر أهمية وضع ضوابط واضحة لتعزيز ثقافة المواطنين في التعامل مع قضايا الدفع الإلكتروني، فقد وقع العديد منهم ضحايا لعمليات نصب واحتيال؛ بسبب نقص المعرفة الكافية بالتعاملات الإلكترونية.

وأشار إلى ضرورة تعاون الجهات المختصة، مثل سلطة النقد ووزارتَي الاقتصاد والثقافة، بالإضافة إلى البنوك والمؤسسات المالية؛ لتوفير المعلومات اللازمة للمواطنين، قائلًا: "يجب أن تركز الجهود على تعزيز الوعي بكيفية الحفاظ على خصوصية الأفراد وسريتهم عند التعامل مع المحافظ الإلكترونية وكلمات المرور؛ لتجنب المخاطر الأمنية".

كاريكاتـــــير