شبكة نوى، فلسطينيات: غزة – رشا أبو جلال
وقفت إلهام عبد ربه (٤٧ عامًا) برفقة ابنتها على ناصية أحد شوارع مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، تبحث عن وسيلة نقلٍ إلى دوار العودة من أجل شراء بعض الاحتياجات المهمة من سوق المدينة، ولكن مرت دقائق، وأخرى، ولم تعثر هذه السيدة على أي سيارة تقلها إلى حيث تريد.
بعد أن نفد صبرها، لم يتبق أمامها سوى الركوب على ظهر عربةٍ يجرها حمار "كارو" كانت تقل ركابًا آخرين. تقول لـ"نوى": "عربات الكارو باتت وسيلة النقل الوحيدة المتوفرة أمام السكان لقضاء حاجاتهم اليومية، رغم بطء حركتها مقارنةً بالسيارات".
وأوضحت أن أجرة الركوب على متن هذه العربات تبلغ (٣ شواقل) في المرة الواحدة، وهي قيمة باهظة فاقت أجرة سيارات الأجرة التي أصبحت لا تعمل بسبب عدم توفر الوقود في القطاع.
ومنذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، يشن جيش الاحتلال حربًا مدمرةً على قطاع غزة، منع خلالها إدخال الوقود، وقطع كافة إمدادات المياه والكهرباء عن السكان.
وتتفاوت أجرة عربة "الكارو" وفقًا للمسافة وعدد الركاب وحجم المواد المنقولة، إذ اضطرت أم إبراهيم (٣٦ عامًا) لدفع ٢٥ شيقلًا لصاحب عربة، من أجل نقل ثلاثة أكياسٍ من الدقيق استلمتها من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا"، لمسافةٍ لا تزيد على كيلو مترين حيث تسكنُ في مدينة رفح.
تقول أم إبراهيم النازحة من مدينة غزة لـ "نوى": "هذه أجرة باهظة توازي قيمة استئجار سيارة خاصة لمدة ساعة من الزمن، لكن ما باليد حيلة".
وأوضحت أن السكان وخاصة النساء "لم يعودوا يشعرون بالخجل من ركوب عربات الدواب باعتبارها وسيلة نقل بدائية، ذلك بسبب عدم توفر وسائل نقل أخرى".
ويستيقظ الفتى محمد أبو طه (١٧ عامًا) في وقتٍ مبكرٍ كل يوم لإطعام وتجهيز حصانه استعدادًا لنقل الركاب والبضائع على عربة الكارو التي يملكها.
ويجد هذا الفتى الذي يعيل أسرته من توقف المركبات عن العمل، فرصةً لجني بعض المال من أجل توفير قوت إخوته الخمسة الذين فقدوا والدهم، الذي توفي بسبب المرض قبل نحو عام.
وقال أبو طه: "بالنسبة لي، فإن ما أقوم به من توصيل الركاب هو عمل إنساني أكثر من أي شيء آخر من أجل التخفيف من معاناة النازحين، رغم أن حصاني باتَ مُرهَقًا بسبب العمل لساعاتٍ طويلة".
وأوضح أن ارتفاع تكلفة النقل يعود إلى غلاء أسعار الشعير والتبن، اللذان يعدان غذاء الدواب.
ويقول أبو طارق يونس، وهو تاجر متخصص في طعام الدواب: "سعر رطل الشعير والتبن تضاعف بنحو خمس مرات عن سعره الأصلي بسبب الحرب، ووصل إلى 25 شيكلًا بعد أن كان سعره 5 شواكل فقط قبل الحرب".
وأشار يونس إلى أن الحصان أو الحمار يحتاج يوميًا إلى نحو رطلين من الشعير أو التبن، لمنحه القدرة على العمل لساعات طويلة، محذرًا من قرب نفاد الشعير والعلف والتبن من الأسواق بسبب استمرار إغلاق معابر القطاع.
وأشار التاجر إلى أن ذلك ينذر بتوقف عربات "الكارو" عن العمل، وبالتالي انعدام آخر وسائل النقل المتاحة أمام السكان.
وأمام مشهد انتشار عربات "الكارو" بشكل ملحوظ في شوارع وأزقة مدن ومخيمات قطاع غزة، لا تزال بعض السيارات والشاحنات تعمل في نقل الركاب معتمدةً على زيت القلي كوقود، بديلًا عن السولار، رغم المخاطر الصحية المصاحبة لانتشار رائحة حرق زيت القلي في الطرقات.
ولكن هذه المركبات باتت وسيلة نقل باهظة التكاليف بشكل يدعو للحيرة والاستغراب، بسبب ارتفاع سعر زيت القلي وعدم توفر السولار، إذ يؤكد أبو مؤمن مطر لـ"نوى" أنه دفع ٥٠٠ شيقل لنقل عائلته من مخيم النصيرات إلى مدينة رفح، هربًا من شدة القصف، رغم أن هذه التوصيلة كانت أجرتها لا تتجاوز ٢٥ شيقلًا قبل الحرب.
ومن جهةٍ أخرى، لعبت عربات "الكارو" دورًا مهمًا في نقل النازحين من مدينة غزة والشمال إلى مدن ومخيمات جنوبي القطاع، إذ كانت وسيلة النقل الرئيسة وشبه الوحيدة، أمام النازحين الذين أتعبهم الطريق الذي قطعوه مشيًا على الأقدام أمام دبابات وجنود الاحتلال المتمركزين في شارع صلاح الدين.
كما تصدّرت عربات "الكارو" المشهد، بعد أن باتت إحدى وسائل نقل الشهداء والجرحى بسبب نقص أعداد سيارات الإسعاف.
واستهدفت قوات الاحتلال ١٠٤ سيارات إسعاف ودمرتها بشكل كامل، وفق إحصائيةٍ صدرت مؤخرًا عن المكتب الإعلامي الحكومي بغزة.
وأفادت الإحصائية ذاتها بأن الحرب الإسرائيلية على القطاع، منذ السابع من أكتوبر الذي مضى، خلفت أكثر من ٢٢ ألف شهيد، بينهم ما يقارب ١٠ آلاف طفل، ونحو ٧ آلاف امرأة.
























