غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في يناير الماضي، كانت "هبة سعدية" على موعدٍ مع "فرحةٍ" من العيار الثقيل، عندما عُيّنت "حكَمًا" في كأس العالم للسيدات لعام 2023م.
هذا الأمر كان يبدو للوهلة الأولى مستحيلًا أمام امرأة، فلسطينية، وترتدي الحجاب، لولا أن "الثقة بالذات والقدرات" كانت القائد والرفيق في رحلةٍ طويلةٍ من التحدّي خاضتها "هبة" الحاصلة على رخصة حكم "الفيفا".
بدأ الشغف من عمر الطفولة، عندما عشقت هبة الرياضة وتمارينها، قبل أن تغوص في أعماقها، وتتحدّى ظروف الحياة القاسية التي لطالما هددت موهبتها في مخيم اليرموك الفلسطيني بسوريا، فخاضت أول تحكيمٍ رياضيٍ في الدوري السوري، عوضًا عن تحكيم مباريات الأحياء الشعبية بين عامي 2010م، و2012م، وهذا قادها لصقل مهاراتها وتنمية قدراتها في مجالٍ يُعد في المجتمعات العربية المحافظة، حكرًا على الرجال.
تتحدث لـ"نوى" عن التجربة فتقول: "عندما بدأت تجربة التحكيم، لم يكن لديَّ أي خبرةٍ سابقةٍ في هذا المجال، لكنني أحببته بشكل كبير وشعرت بمتعةٍ كبيرةٍ أثناء ممارسته. كنتُ وكأنني أمشي في طريقٍ لا أعرفه لأول مرة، وحينها راودني شعورٌ مختلط"، شارحةً ذلك: "على قدر ما كنت سعيدة بأنني الآن في المكان الذي سأنطلق منه إلى ما هو أبعد بكثير، على قدر ما شعرتُ بأنه ينقصني الكثير، وأمامي مشوار طويل وشاق لأكون في القمة".
أحداث الاقتتال الداخلي التي عصفت بسوريا، اضطرت هبة كما الكثير من الفلسطينيين، والسوريين أيضًا إلى مغادرة البلاد مع عائلتها إلى ماليزيا عام 2013م، وهناك واجهت تحديات صعبة. "وكأنها بداية جديدة في بلدٍ مختلف في اللغة والثقافات والعادات. حياة جديدة بالكامل لا أعرف عنها شيئًا تقريبًا" تضيف.
هناك، كان التحدي الأكبر أمام طموحها، ومسيرتها الرياضية، أنها لم تكن تعرف إلى أين تتوجه لتمشي في طريق الحلم؟ أين تكمل تمارينها؟ ومن يمكن أن يشرف عليها، أو يقيم أداءها، أو يعطي ملاحظاته؟ كانت تبحث بنفسها عن كل ما تطوق للوصول إليه، ولوهلةٍ تحول "الإنترنت" إلى صديقٍ مقرّب. تعلقّ بالقول: "ساعدني كثيرًا في عمليات البحث، والمعرفة، والاطلاع، وتنمية المهارات، وحتى في تعزيز التدريبات العملية، ومعرفة كل جديد في عالم الرياضة والتحكيم".
وقتٌ مضى بحلوه ومُره، قررت هبة بعدها السفر إلى السويد، التي واجهت فيها صعوباتٍ لم تختلف كثيرًا عن تلك التي لاقتها في ماليزيا، ولأكثر من عامٍ سعت للانتساب إلى اتّحاد الرياضة دون جدوى، "فوصلتُ إلى حالةٍ من اليأس" تقول، وتكمل: "شعرتُ حينها أن ليس لدي أي طاقة لإكمال مشواري والوصول إلى طموحي، لكنني سرعان ما كنت أعود من جديد، أقف على قدميَّ وأشجع نفسي على الاستمرار، فلديّ حلم يجب أن أحققه".
في عام 2019م، بدأت الحياة تفتح أبوابها للشابة التي لم تتراجع يومًا عن إيمانها بقدراتها وحلمها، فاختارها الاتحاد الدولي للرياضة (فيفا)، لتكون ضمن فريقٍ سيتم تدريبه للمشاركة في تحكيم بطولة كأس العالم للسيدات للعام 2023م، التي ستُقام في أستراليا.
وما أن وصلت إلى المرحلة النهائية، وفازت بتحكيم أول مباراة دولية للنساء، حتى أقعدتها إصابة في التمرينات مدة أسبوعين. تصف اللحظة بالقول: "صدمة! فبعد 13 سنة من العمل والكد والتعب والمثابرة، وصلتُ إلى حلمي، لكنني في لحظةٍ واحدة صرت عاجزةً عن الاستمرار في المشي صوبه".
مرّت هبة بلحظات ضعفٍ مريرة، لا يشبهها وقت! "كيف يمكن أن يحدث هذا والحلم على بعد خطوة؟"، لكن هذا كله لم يكن ذا قيمة أمام الأمر الواقع، وهنا كان لا بد من قرار: "عدتُ إلى الملعب مرةً أُخرى. صحيحٌ أن ذلك حدث في منتصف البطولة، لكنني عُدت، واستطعتُ أن أثبت لكل العالم أن المرأة إن أرادت فعلت".
وكان من اللافت في مسيرة سعدية الرياضية التي نقلتها إلى العالمية، أنها لم تنسَ قضيتها الأم فلسطين رغم الغربة والتغريب وتحديات تحقيق حلمها الرياضي، فقد كانت حاضرةً في مخيلتها، فهي ابنتها وسفيرتها في كل ملعب ومحفل. تقول بكل فتخر وانتماء ووفاء: "قدرت إني خلي كل العالم يسمع باسم فلسطين".
وتختم سعدية حديثها بالإشارة إلى أن الرياضة بالنسبة لها، لم تكن "مجرد هواية، بل كانت أسلوب حياة لها"، غيرت من شخصيتها وأفكارها، وأعطتها الفرصة بأن تكون واثقة من ذاتها وقدراتها ومهاراتها.
وعن العمل في مجال التحكيم قالت: "فتح لي المجال للسفر والتنقل والتعرف على العالم، والتجوّل في بلدان كثيرة لها عادات وأطباع وأسلوب حياة وثقافة مختلفة ولغات مختلفة، ما وسّع أفقي، وجعلني أرى العالم بنظرة مختلفة تمامًا عما كنت أراه من قبل، ومكنني من رؤية العالم بصورة مختلفة".
تجربةٌ رياضية لأول سيدة فلسطينية في مجال التحكيم، مرّت بمحطاتٍ مريرة، وتحديات قاسية، وانتقلت من بلدٍ إلى آخر، كُللت بالنجاح أخيرًا "فالإنسان هو من يصنع ذاته، بالهدف الذي يضعه لنفسه وسعيه لتحقيقه دون أن يتحجج بالظروف، أو أن يتخلى عن قيمه ومبادئه" تختم هبة.
وكان الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، كتب عبر حسابه على منصة "إكس" (تويتر سابقا) "كتبت هبة سعدية التاريخ، بأن أصبحت أول امرأة فلسطينية على الإطلاق ضمن فريق تحكيم مباراة بكأس العالم لكرة القدم للسيدات".
























