قطاع غزة:
"غيداء ودينا" صديقتا شدّة. التقتا للمرة الأولى في المستشفى بعد إصابتهما بالسرطان، كانتا رفيقتا الغرفة ذاتها. الآلام ذاتها، لم تغادر واحدةٌ منهما غزة يومًا، وعمريهما لم يتخطّيا 25 عامًا. لكنّ الظروف تبدلت. بدأت فصول العذاب من هنا. من قلب القطاع الذي يعاني حصارًا إسرائيليًا يطبق على أنفاس أبنائها.
أن تكون في غزة تحت هذه الظروف مأساة، وأن تكون مريضًا في غزة فإنه الجحيم بعينه. تصف غيداء الصورة وتقول: "ربّما في بلاد أخرى يأمل المرضى بفرص عيشهم في إمكانات متوفرة، لكنهم هنا يموتون يوميًا، يرون أنفسهم موتى بانتظار تحويلة طبية للعلاج بالخارج، أو بانتظار توفير دواءٍ معين".
تلتقط أنفاسها، وتمازح دينا "لولا الإصابة لما عرفتك، يمكن هذا أحلى ما حدث معنا"، فتبادلها الأخرى القول: "يا ليت التحويلة الطبية تصدر في الوقت ذاته، حتى نترافق بالسفر لأول مرة في حياتنا خارج حدود غزة".
لم تتماسك نفسها، فأجهشت بالبكاء قائلة: "نحن لا نطلب المستحيل، صار حقنا في العلاج أمنية. تؤجل المواعيد باستمرار، ولا التزام فيها. تنخر الأوجاع بعظامنا ويمتص السرطان دمنا".
وتضيف: "أي حدث في غزة يقلب الأمور على رؤوس المرضى أولًا، تعاقبهم إسرائيل بإغلاق المعابر والمماطلة بينما هم مثقلين بالهموم"، مردفةً بالقول: "نحن لا نعاني في المستشفيات فقط، بل في منازلنا التي تهددها نيران القصف باستمرار. كوني أقطن في منطقة حدودية، يحملني أشقائي ويخرجونني إلى منزلٍ يظنون أنه أكثر أمنًا، بينما لم أسلم في السلم وفي الحرب حقيقة. من الاحتلال، ومن السرطان كذلك".
ويقول مدير عام مستشفى الصداقة التركي ومركز غزة للسرطان صبحي سكيك: "إن عدد مرضى السرطان في القطاع يزيد على 9 آلاف يعانون من نقص الأدوية، في حين أن أغلب الأدوات التشخيصية لمرض السرطان غير متوفرة، لا سيما تلك التي تحدد سبب الإصابة".
وبحسب سكيك، فإن ما لا يقل عن 45% من الأدوية التي تعالج السرطان غير متوفرة هنا، باعتبارها الجزء الثاني لعلاج مرضى السرطان، إذ تفاقمت الأزمة خلال النصف الأول من العام الجاري، مشددًا على أن نقص إحدى المكونات الدوائية تسبب خللًا واضحًا، وتعطلًا كاملًا للعلاج، فلا يمكن تجزئته أو استبعاد أي مكون دوائي.
ويتابع: "أكثر من 40% من مرضى السرطان في قطاع غزة يتم رفض تحويلاتهم الطبية لتلقي العلاج في الخارج"، واصفًا ذلك بالـ"جريمة غير المقبولة" التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي.
لا يستخدم الاحتلال "الرفض" كأداة حصار لمرضى غزة فقط، بل يماطل بالسماح لهم بالخروج من حاجز بيت حانون "إيرز" شمالي القطاع، ما يؤدي وفق الطبيب لتفشي المرض في أجسادهم، وبالتالي فقدانهم للحياة.
وبيّن أن نسبة الإصابة بمرض السرطان في القطاع من أعلى النسب مقارنة بالمناطق المحيطة، منوهًا إلى الارتفاع الكبير في عدد الأشخاص المصابين بالمرض المذكور، وتضاعف النسبة عامًا بعد عام.
في غزة، يُسمع أنين المرضى وصرخاتهم التي تخترق الآذان. تتسع رقعة المصابين بالسرطان، وتزيد مساحة التضييق عليهم وخنقهم أكثر. يتحسسون رؤوسهم، فيحاولون اختبار متانة الشعر قبل خروجهم لتلقي العلاج الكيميائي في الخارج. لا يكفون عن الصراخ في محاولة الاستجداء للتعجيل بالتحويلة الطبية، أو تصريح الخروج! هنا الأمر ليس بأيدي الأطباء، ولا بأيدي أسرهم. هنا الأمر يسير فقط وفق مزاج "إسرائيل".
























