شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 05 مايو 2026م17:40 بتوقيت القدس

يوم الأم يفتح جرحًا عميقًا في قلب "المُحررة" أزهار قاسم

21 مارس 2021 - 21:56

رام الله - شبكة نوى

"كل شيءٍ حولي هنا أشم رائحتها فيه"، قالت الأسيرة المحررة أزهار الشيخ قاسم، ثم أخذت تبكي.

في هذا اليوم انفتحت جراح قلبها، وهي التي أُفرج عنها مطلع آذار/ مارس الجاري، عندما سمعت الإذاعات المحلية تصدح بأغنية "ست الحبايب"، بينما هي تجول بعينيها في زوايا البيت، فلا ترى إلا "بريق ذكرى" وطيف "ابتسامة"..

أزهار التي اعتُقلت في الثامن من يونيو/ حزيران لعام 2019 قرب حاجز قلنديا، عندما كانت في زيارةٍ لشقيقتها في مدينة القدس، التقت أمها مرةً واحدةً –وأخيرة- طوال فترة أسرها. "في ذلك اليوم، ودّعتُها، وهواجس كثيرة تطاردني، وخوفٌ، بل رعبٌ من غدٍ مجهول" تضيف.

كانت أمها  في رواق "الدامون" تجر جسدها الهزيل جرًا، تُكابِر كي تطمئن ابنتها "بأنها بخير"، كان القلقُ يشع من عينيها رغم ذلك، "لكن لا أدري كيف ألقى وجودها على قلبي طمأنينةً لا توصف" تردف.

والدة أزهار، توفيت  قبل أسبوعين فقط من الإفراج عنها، لتذوب كل قلاع الحلم فوق تلة الواقع، "سأخرج ولن أجدها في انتظاري، لن تعانقني، ولن أستنشق ريح الجنة في عطر ثوبها" كانت تحدّث نفسها طويلًا، تتمنى لو أنها انتظرت قليلًا.. قليلًا فقط لتغفو في حضنها مرة، فتنفض عن قلبها سنوات السجن الكئيبة، وذكريات التحقيق المرعبة. تهزّ رأسها سريعًا، وتتمتم: "لكن هذا قدر الله، ولا اعتراض على حكمه".

في بيت أزهار، كل الزوايا، مكانها على مائدة الطعام، أكلاتها التي كانت وإخوتها يتسابقون على تذوقها فور النضج، كلماتها، صوتها، ضحكاتها، كل تفاصيل الحياة كانت مرتبطةً بوجودها.

تعقب : "ما يشعل نار الحسرة في قلبي أكثر، أنها رحلت دون أن أودعها، هي غصةٌ في القلب لن تمحوها السنين".

خلال فترة أسرها، لطالما انتظرت أزهار زيارةً منها، لكن الاحتلال –وبحجة كورونا- حرمها من تلك اللذة كما كل الأسيرات، بل حرمها من رؤيتها للأبد.

لكن، كيف وصل الخبر أزهار؟ كيف استقبلته؟ تجيب بحرقة: "كنتُ أستمع لإذاعة صوت الأسرى، ورغم تشوش البث، بدأتُ أستمع إلى عبارات تعازٍ ومواساة، يرسلها إلي أقاربي عبر الأثير".

"كانت صدمة"، تُكمل. سيلٌ من الدموع أغرق قلبها الذي كان يتساءل: "كيف لي أن أحتمل هذا الفقد الأبدي؟ كيف سأعود حرةً فلا تكون هي بجانبي؟ كيف ستوارى الثرى دون أن أودعها؟ كيف؟ وكيف؟".

 يأتي يوم الأم، بينما أزهار وحدها، "تبحث عن رائحتها في كل ثوب، تزور قبرها لتبثها شجونها وأشواقها.

تذكر الشابة يوم اعتقالها، الذي تحاول أن تنسى تفاصيله، كلما هبّت على الباب، فتقول: "كنا ندخل القدس آنذاك دون تصاريح، لكن بمجرد أن وصلت المعبر، سألوني عنه، أخبرتهم أنني لا أملك واحدًا، وأنني في زيارة لأختي، فما كان منهم إلا أن احتجزوني في غرفة لا تتعدى مساحتها المتر، وهناك بدأ شرطيٌ بتوجيه اتهام لي، بأنني أنوي تنفيذ عملية طعن هناك"، تصمتُ قليلًا، وهي تحاول أن تواري ارتجافة صوتها القادم مشتتًا عبر الهاتف، ثم تكمل: "خرج، ثم عاد يحمل سكينًا، وادّعى أنها لي".

تابعت: "خضعت للتحقيق في سجن عوفر مدة ثلاثة أيام، أنكرت التهمة الملفقة، لكن طوال تلك الفترة كنتُ أفكر بأمي، كيف ستحتمل بوضعها الصعب خبر اعتقالي؟"، وهذا بالفعل ما عرفت أزهار أنه حدث بعد تحريرها، "قالوا لي، أنها أصيبت بصدمة، نُقلت على إثرها إلى المستشفى، وتراجعت بعدها حالتها الصحية، حتى وافتها المنية".

مواقفٌ كثيرةٌ صعبة، عايشتها الأسيرة المحررة أزهار الحاج قاسم في الأسر، تدرك كلما تذكرتها معنى وجود الأم: القاصرات اللاتي كُنَّ يفتقدن حضن الأمان، والأمهات اللاتي لم تكن دموعهن لتتوقف خوفًا على حال أبنائهن في الخارج، والمريضات اللاتي كُن يخشين أن يخرجن من الأسر على ظهورهن، دون أن يحظين بفرصة التقاء أمٍ أو ابن.

في الأسر، كل ظروف السجن اللا إنسانية تهون –تقول- أمام فكرة تنفس الحرية، والاطمئنان على حال الأبناء، والآباء، والأمهات. في كل لحظةٍ تمر "تخشى الأسيرة من فكرة الفقد، وتسأل الله في دعائها كثيرًا، أن لا يطيل عمرها لتسمع خبر وفاة أمٍ أو أب أو أخ وهي بعيدة" تضيف.

من أكثر اللحظات التي كانت تشعر فيها الأسيرة بحاجتها لأمها –وفقًا لأزهار- هي تلك التي تباغتها فيها إدارة سجون الاحتلال بنقلها إلى سجن "هشارون"، ذاك المختلط بين سجينات جنائيات إسرائيليات، وأسيرات فلسطينيات.

 تقول: "أتذكر، كيف بقيت 15 يومًا دون أن أتمكن من تبديل ملابسي، وبعد عدة مطالبات، أحضروا لي ملابس رجالية سيئة"، مردفةً: "كنتُ أضطر لسماع ألفاظ خادشة للحياء من المسجونات، هذا لم تربّني عليه أمي أبدًا".

كانت تسمعهم، وتبكي، "كل احتياجاتي التي كنتُ أطلبها من أمي، في أكثر مواقف الحياة حرجًا واحتياجًا، تحولت إلى حالة "إذلال" داخل الأسر، الفوط الصحية، الأغطية، المفارش، وحتى الملابس". تتوقف عن الحديث وتختم بتنهيدةٍ عميقة، ثم تدعو لأمها بالرحمة.

كاريكاتـــــير