إسلام الأسطل
"24 ساعةً مرّت بعد عقد القران، فُكّت خطبتي، ووُصمتُ بالمطلقة"! تقول سميرة (اسمٌ مستعار) لـ "نوى" بعد تنهيدةٍ طويلة شقّت صميم روحها، وتكمل: "كنتُ أشعرُ بالقهر كلما نظرتُ إلى شهادة طلاقي، حتى اليوم أتمنى لو أن تلك الفترة من حياتي مُحيت من الوجود".
وعلى الرغم من أن شيئًا لم يتغير في بطاقة العشرينية سميرة، بسبب قصر مدة الخطوبة، إلا أن نظرات العطف، والشفقة، و"يا حرام.. مطلقة" باتت تحاصرها أينما حلّت.
لكن اليوم –تضيف الشابة- جاء تعميم المجلس الأعلى للقضاء الشرعي بغزة، بعدم تسجيل الفتاة كـ"مطلقة" في حال انفصلت عن شريكها قبل الدخول، "ليربّت على تلابيب قلبها" وفق ما عبّرت نصًا، "فهذا سيرحمها قليلًا من لعنة المجتمع، ونظرته، ووصمته" على حد ظنها.
"يبقى بند الاتفاق مع الخطيب السابق على ذلك (..) هذا لن أستعجل حدوثه قبل أن أقابل الرجل المناسب، وأصبح على قرب خطوة من عقد قرانٍ جديد".
وكان المجلس الأعلى للقضاء الشرعي بغزة، أصدر يوم السابع من آذار/ مارس الجاري، تعميمًا قضائيًا ينص على "إذا كانت المخطوبة مطلقة قبل الدخول، وقبل الخلوة، ولا تزال بكرًا، فلها عدم تسجيل أنها مطلقة في عقد الزواج، إذا تم التراضي بين الخاطبين على ذلك"، مضيفًا: "يتم إرفاق شهادة الطلاق، أو صورة مصدقة عنها في ملف معاملة الزواج، وتنظيم محضر من قبل محكمة أول درجة، بتراضي الخاطبين".
نفس الشعور راود رندة (24 عامًا) التي فُسخت خطوبتها قبل عامين فقط، بعد ابتزازها من طرف خطيبها السابق "الذي كانت فيه كل العِبر"، بأنها تركته اعتراضًا على أي سلوكٍ يفعله، فإنها ستحمل لقب "مطلقة" طوال حياتها، وحينها لن يرحمها أهلها ولا المجتمع.
رندة:أراه ممتازًا، لكنني لم أستطع أن أفسر حتى اللحظة، لماذا تم وضع القرار بيد الخاطب الجديد
تقول لـ "نوى": "رغم ترددي، ووقع كلماته على نفسي، لم أستطع التحمل، قررتُ الانفصال لحدسٍ يخبرني بأن ما ينتظرني بدونه أفضل، وهذا ما وجدته اليوم"، بالإشارة إلى التعميم القضائي الجديد، إلا أنها تساءلت: "أراه ممتازًا، لكنني لم أستطع أن أفسر حتى اللحظة، لماذا تم وضع القرار بيد الخاطب الجديد؟".
تؤكد رندة أن تجربتها الأولى جعلتها أكثر وعيًا بأهمية عدم التسرع في إجراء معاملة الزواج بشكل رسمي، أو ما يعرف بـ" كتب الكتاب" إلا يوم الزفاف.
هي ترى أن الأمر يضمن حق الفتاة بالانفصال، دون أن توصم بلقب مطلقة، أو حتى أن تعاني من تبعاته إن تزوجت أو لم تتزوج بعدها.
يسرى:ارتقوا.. ماذا يعني إن كُتبت الفتاة مُطلقة في عقد قرانها الجديد؟ الله في كتابه أسماه طلاقًا، ورفع الحرج
في المقابل، كتبت "يُسرى" عبر صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، تقول: "ارتقوا.. ماذا يعني إن كُتبت الفتاة مُطلقة في عقد قرانها الجديد؟ الله في كتابه أسماه طلاقًا، ورفع الحرج، إذا كنا سننصاعُ لنظرة المجتمع البالية تجاه المطلقات، ونحن في عام 2021، فهذا مؤشر إلى أن شيئًا لن يتغير في هذه النظرة ولو بعد 100 سنة".
"يُسرى" خطبت شهرًا واحدًا، وفكّت خطوبتها مباشرةً لظروف عدم التفاهم، تضيف: "أعتقد أن كتابة كلمة مطلقة في عقد زواجي الجديد لن يعيبني، الاختلاف فطرة، وعدم التفاهم فطرة، والانفصال قدر ونصيب، وهو الحل الأنسب في حال انسداد الطرق"، مردفةً: "على أية حال.. كل واحدٍ حرٌ في تفكيره، القرار لم يرفع قيمتي، وعدم إصداره لم يكن ليُدنّي منها".
الناشطة النسوية تهاني قاسم، بدورها، أكدت أن التعميم الأخير، يأتي في إطار الاستجابة لمطالبات المؤسسات النسوية التي لم تتوقف فيما يخص تعديل قانون الأحوال الشخصية برمته.
قاسم:تغيير الحالة الاجتماعية في البطاقة الشخصية، مرتبط بضرورة تغيير الحالة الفعلية
ولفتت إلى أن وصم الفتاة التي فسخت خطبتها بـ "المطلقة"، هو أحد أشكال العنف النفسي والاجتماعي الذي ناضلت الحركة النسوية طويلًا من أجل القضاء عليه "مجتمعيًا، وقانونيًا أيضًا".
وذكرت قاسم أن تغيير الحالة الاجتماعية في البطاقة الشخصية، مرتبط بضرورة تغيير الحالة الفعلية، وفي حال لم تتزوج الفتاة بعد فسخ العقد الأول، تبقى الحالة الاجتماعية لها: "مطلقة"، ما ينعكس عليها بشكل سلبي.
وتساءلت: "لماذا تُعاقب الفتاة على خيارها بالانفصال؟ لماذا عليها أن تتذكر في كل مرةٍ تفتح فيها بطاقتها الشخصية، تفاصيل مؤلمة مرّت وانقضت؟".
وترى قاسم أن التعميم سابق الذكر، يعد خطوة تهدف للتخفيف من العبء النفسي والاجتماعي، المرتبط بفسخ العقد، "لكنه بالمجمل، لم يستطع أن يتجاوز النصوص القانونية المُطبّقة في قطاع غزة، التي تفرض الكشف عن التجارب السابقة للفتاة، خلال توقيع شهادة الزواج الجديد" تتابع.
تتطلع قاسم كما كل النسويات الفلسطينيات، إلى تعديل قانون الأحوال الشخصية، بما يتلاءم مع مصلحة المجتمع، كون هذه التعميمات والقرارات قابلة للإلغاء في أي وقت، "ولا يمكن التعويل عليها، بعدّها إنجازًا كبيرًا، فهي تخضع لرؤية القاضي، ويمكن أن تتغير في أي لحظة".
وتوضيحًا لطبيعة التعميم، قال رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي د.حسن الجوجو لـ "نوى": "التعميم مجرد عمل إجرائي لرفع الحرج عن الفتاة التي سبقت خطبتها، ولا يلغي بأي حالٍ من الأحوال، الأحكام المترتبة على وقوع الطلاق قبل الدخول، لأن الأمر مرتبطٌ بأحكامٍ شرعية".
وتابع: "في حالة العقد الجديد، يجب أن تكون شهادة الطلاق مرفقة أثناء توقيعه، وكل ما يتم تغييره في شهادة الزواج الجديدة هو حذف عبارة "شهادة طلاق للزوجة قبل الدخول"، مع بقاء شهادة الطلاق ضمن ملف معاملة الزواج، التي يتم إرسالها لوزارة الداخلية".
وشهد العام الماضي 3493 حالة طلاق، وهو ما يمثل نسبة 15.6 بالمئة من حالات الزواج على صعيد قطاع غزة وحده.
























