شبكة نوى | قطاع غزّة:
لم يعد الخوف من الآتي يسيطر على الفلسطينيين في قطاع غزّة، بل الأدهى أن الحياة باتت شبه مستحيلة بعد 15 عاماً من الحصار الإسرائيلي المتواصل – نتيجة خلص لها تقرير حقوقي -، فهل نحن أحياء بالأساس؟ أم موتى مع وقف التنفيذ؟ يتساءل شباب القطاع.
وفي تقرير أصدره المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان حول تداعيات حصار غزة، والذي جاء هذا العام بعنوان "خنقٌ وعزلة"، آثار الحصار الإسرائيلي، مقارنًا الظروف المعيشية لسكان القطاع قبل الحصار، مع الوضع القائم بعد 15 عامًا منه.
أشار التقرير إلى جملةٍ من التداعيات التي فرضها عقدٌ ونصف من الحصار الإسرائيلي الخانق، مقارنةً بالوضع المعيشي للسكان قبل الحصار، "حيث بلغ نصيب الفرد الواحد من الخسائر الاقتصادية في قطاع غزة، نحو 9 آلاف دولار أمريكي، بسبب الإغلاق طويل الأمد، والعمليات العسكرية المختلفة، التي كلفت الاحتلال الإسرائيلي خلال العقد الماضي، نحو 16.7 مليار دولار.
ونبّه المرصد، إلى أن نسبة البطالة، ارتفعت في غزة من 23.6% عام 2005، إلى 49% عام 2020، "وهي من بين النسب الأعلى عالميًا"، في حين انكمش نصيب الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 27%.
أصعب ما يمكن للمرء وصفه، بل إن الحصار هو أكثر يستحيل علينا وصفه – تقول سهى إدريس – مضيفة "لذلك سأختصره بجملة واحدة أن يحيى الإنسان ميتاً".
بلغ نصيب الفرد الواحد من الخسائر الاقتصادية في قطاع غزة، نحو 9 آلاف دولار أمريكي، بسبب الإغلاق طويل الأمد، والعمليات العسكرية المختلفة، التي كلفت الاحتلال الإسرائيلي خلال العقد الماضي، نحو 16.7 مليار دولار.
فترة اهترأ فيها حذائين لسهى، بينما كانت تذهب وتعود إلى معبر رفح البري لانتزاع فرصة الخروج للدراسة في الخارج، ولم يحدث. ساعات من الانتظار أمام بوابة المعبر المهترئة، بين جموع من الناس التي تشبه تكدّس الفاكهة في الصناديق بشكل عشوائي، لكن الأصعب هنا أنه من دون جدوى، المعبر مغلق والتظاهرات من أجل فتحه مستمرة – لكن المنحة لا تستمر –.
تخبرنا "لم أعد أرغب بشيء، استسلمت للزواج، ليس لأنني مقتنعة، بل لأن حياتنا هنا فرضت علي ذلك!"، وحتى خلال هذا، اكتشفت أنه كل شيء ارتفع سعره من الطعام والملابس ومساحيق التجميل والأحذية وحتى ألعاب الأطفال".
وتتابع بأن الناس هنا يحصدون نتائج الحصار في مستهل حياتهم اليومية، يحصدونه بضياع الفرص والانصياع للواقع، يحصدونه أطفالًا استيقظوا فجأة ليجدوا أنفسهم شبانًا وشابات! تجاوزوا الفكرة فإذا هم يصطفون في طوابير البطالة والعاطلين عن العمل، فيما أخذ مكانهم الأول جيل آخر أصغر سنًا، سيتخرج على الحال نفسه –دون أدنى مبالغة- هذا هو جيل الحصار الذي أنتجه الاحتلال إذن.
أحمد موسى هو شاب في الـ 24 عاماً من عمره لكنّ الشيب يغزو شعره، فما عاشه محمّد الطفل لم يكن سهلاً، فكيف تبدو فترة شبابه مع الحصار؟
يقول إن جيل التسعينات الذي ينتمي إليه هو أكثر وعياً على الحصار، بينما كان عمره 10 أعوام تقريباً أحكمت إسرائيل إغلاق قطاع غزّة، في حينها لم يعرف الطفل ماذا يعني ذلك، لكنّه كان يدرك أننا "ذاهبون إلى الدم والقتل" وهذا كان الطابع الأبرز للأحداث في تلك الفترة حقيقة.
أغلقت المعابر، انقطعت المنتجات الغذائية والدواء، منع إدخال البنزين والسولار وغاز الطهي، حتى مسليّات الأطفال من "الشيبس والشوكلاتة" منع الاحتلال دخولها أيضاً، هذا كلّه وسط عتمة تذعر الناس، تجمّد أطرافهم في البرد وتشعل منازلهم ناراً في حرّ الصيف.
نسبة البطالة، ارتفعت في غزة من 23.6% عام 2005، إلى 49% عام 2020، "وهي من بين النسب الأعلى عالميًا"، في حين انكمش نصيب الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 27%.
يضيف أحمد "حين أفكر بطفولتي، أتذكر كيف كنا نستقل سيارات تسير بزيت الطعام بدلاً من البنزين لانقطاع، أتذكر كيف كنت طفل في طابور ممتلئ بالصغار والكبار من أجل كم لتر من البنزين لإشعال بابور الكاز الذي تحتاجه أمي لتعدّ لنا الطعام، هذا الذي استخدمه أجدادنا في حياتهم قبل 100 عام".
مشاهد تشعر أحمد وسهى بالغصّة والموت في آن، مشاهد عالقة في أذهانهم وأكثر من مليوني إنسان يعيشون هنا، بالإضافة إلى نموّهم على مصطلحات أبرزها "قتل. ضحايا. مرضى. تحويلات طبية. دماء وحروب وعدوان وحصار" يصفونها بـ "المرعبة" اخترقت طفولتهم وشبابهم وشيبهم كذلك.
يزيد أحمد: "أنا من الناس الذين يفهمون جيداً معنى رائحة الدم والموت وكل صباحات الحصار العفنة، شاب لم يكن يتجاوز الـ 20 عاماً يتحدث عن أكثر رائحة يرفض أنفه أن يلفظها، بل إنها مرتبطة بروحه" هذا هو الموت مع وقف التنفيذ.
الحصار الذي يتغلل بدماء الفلسطينيين منذ أكثر من عقد حتى بات كلّ ما يحدث في سياقه طبيعيًا، يحاول الناس إقناع أنفسهم أنهم تعايشوا معه، لكنه يعود ليظهر على شكل "غول" يبتلع أرواح مرضانا وصغارنا وشبابنا ونساءنا ورجالنا. هذا الغول الذي لا ينفك عن ملاحقتنا في يقظتنا وفي نومنا ومستهلّ حياتنا اليومية، لقد صرنا "جيل الحصار" منّا من تخرّج وتهجّر قسرًا، ومنّا من ينتظر.
























