شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 09 مايو 2021م22:25 بتوقيت القدس

جهود لإدراجه في اليونسكو

السدو... خيوط تغزل ذاكرة المكان وتصارع من أجل البقاء

16 يناير 2021 - 20:48

غزة:

تجلس الخمسينية نادية العبيد رفقة أبناء أشقائها على سجادة مزركشة قديمة؛ تشير إلى ألوانها المتناسقة وهي تتحدث إليهم عن هذه الصناعة اليدوية القديمة التي كانت تُعرف باسم "السدو"، وطالما زيّنت المنازل والجدران وغرف الضيافة.

السيدة التي تسكن في منطقة دير البلح وسط قطاع غزة، كانت تحترف مع أمها صناعة هذه المهنة التراثية وتتّخذ منها مصدر دخل قبل أن يتراجع الإقبال عليها بفعل غزو السجّاد الجاهز والمستورد، موضحة:"كانت مصدر دخل لأمي وللكثير من النساء قبل أن يتراجع الإقبال عليها، توقّفنا عن العمل بسبب ضعف العائد المادي لهذه المهنة التي تتطلب وقتًا طويلًا ودِقّةً وعين ذوّاقة كي تخرج بشكل جميل".

والسدو هو أحد أنواع النسيج البدوي التقليدي اليدوي المنتشر في شبه الجزيرة العربية وبادية فلسطين والأردن، وغالباً يستخدم وبر الجمل أو شعر الماعز أو صوف الغنم لحياكته، ويستعمل السدو لحياكة الخيمة البدوية المعروفة ببيت الشعر، التي تحمي من حرارة الشمس وبرد الصحراء في الليل، ويُصنع منه البُسط اليدوية والبطّانيات والوسائد والخيام وزينة رِحال الإبل.

تبدأ عملية صناعة السدو-حسب نادية- بغسل صوت الإبل والماعز وتنقيتها ثم صبغها وتثبيت اللون في البحر، وبعد ذلك يتم استخدام آلية حياكة خشبية لتنفيذ التصميم المطلوب، مضيفة :"كنا ننتظر فترة تنفيش الصوف وغزله ولفه على شكل دحاريج (دوائر) وسط الشارع، في أجواء جماعية تجمع بين النساء والفتيات الصغيرات والأحاديث الجميلة عقب جمع الحصيد وجزّ صوف الخراف والأغنام، في فصل الصيف".

ورغم التراجع الشديد في إقبال الناس على اقتناء السدو، إلا أن نادية تؤكد أن ثمة أناس يهتمّون بالحفاظ عليه، تمامًا كما يفعل الحاج أكرم اليازجي الذي استخدم آلة النول أيضًا في صنع السدو ليتخّذ منها مصدر دخل له.

في غرفة أسفل بيته الواقع في البلدة القديمة لمدينة غزة، فمنذ ستينيات القرن الماضي يمارس الحاج أكرم هذه المهنة التي يسعى للحفاظ عليها من الاندثار، فثلاث آلات ما زالت تعمل في قطاع غزة من أصل 500 كانت موجودة، آلته هي واحدة منهم، يتسلح بإيمانه العميق بضرورة الحفاظ عليها.

يقول اليازجي لنوى :"السوقان الأساسيان لهذه المنتجات هي الضفة الغربية وفلسطين المحتلة عام 1948، إلا أن الحصار يحول دون وصولها إلى هناك بشكل مستمر، وهو يقف عائقًا أمام استيراد الكثير من الخيوط والمستلزمات التي تحتاجها الصناعة".

تنهد الحاج أكرم بينما يضع الخيوط داخل النول مواصلًا عمله وهو يحكي بشوق عن فترة ذهبية شهدتها هذه الحرفة قبل فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2006، حين كان بدو النقب يزورون القطاع ويحملون الكثير من السدو معهم.

ولفت إلى أن كميات المواد الخام القادمة إلى قطاع غزة عبر المعابر التجارية مع الاحتلال قليلة ومقننة، وكأن الاحتلال أراد لها أن تندثر، في حين يزين هو- أي الاحتلال- مناطق يحتلونها من مقاهي وأماكن عامة بهذه المنتجات زاعمًا أنها تراثهم وهم ليس لهم تراث.

وتحمل منسوجات اليازجي وولده الذي يعمل معه طابعًا خاصًا، فهم ينسجون الصور الشخصية بالخيوط المرصوص بـالنول "وهي آلة يدوية لها دواستان يحركهما النسّاج لأجل تشابك العقد بين الخيطان المرصوصة، فتنتج لوحة فنية ترسم ملامح البيت الفلسطيني القديم.

وشهدت المدن والقرى الفلسطينية أشكالًا عديدة من البُسط التي تزيّن به منازلها طبقًا لتراث كل منطقة، يضاف إليها المزاوجة التي برزت بين تراث البداوة والفلاحة.

"لكن أكبر المعيقات التي تقف في وجه هذه الصناعة التراثية المهمة هي قلة الطلب عليها في السوق المحلي، ورغم دقّتها وجمالها وأهميتها التراثية"، يقول د.فؤاد عودة عضو مجلس إدارة الاتحاد العام لصناعة النسيج والملابس.

ويضيف:"القُدرة الشرائية للناس في قطاع غزة ضعيفة، وارتكزت في السنوات الأخيرة فقط على الكفاية الغذائية، وهذا ناتج عن الحصار والفقر وتبعات الانقسام السياسي، وما خلّفته هذه الأمور من حالة اقتصادية صعبة".

لكن الاتحاد- والقول لعودة- يراقب تراجع هذه الحرفة بعين الخطورة، بالتالي يتوجّب على المؤسسات الرسمية تخطّي عقبات الانقسام لتكون جسم قوي يدع ويتبنى هذا الإرث الكبير وتوفير الحماية له وتدريب الأجيال القادمة على صناعة النول والبسط والسدو وغيرها.

فتراث الشعب الفلسطيني بوجه عام مرتبط بالأشغال اليدوية والحرفية التي تمدّ الهوية الفلسطينية بالأصالة، كما يقول عاطف عسقول مدير عام الإبداع في هيئة الثقافة والشباب والرياضية، وهي حرف ومنتجات تسعى الهيئة لإبرازها بشكل دائم من خلال المعارض والفعاليات في المناسبة الوطنية المهمة.

ويضيف: "معظم الحرف التراثية استطاعت تطوير نفسها بطابع عصري، إلا أن عزوف الناس عن (البسط اليدوية) وصناعات النسيج اليدوية واتجاههم نحو المستورد أضعف هذه الحرف وزاد تدهور وضع العاملين فيها"، فالاعتماد على التصدير إلى الضفة الغربية والداخل المحتل في بقعة ضيقة ومحاصرة مثل قطاع غزة زاد المعيقات أمامها وأثّر الحصار سلبًا على استمرارها.

لكن الهيئة تسعى جاهدة لإدراج هذه الحرفة – السدو- وسواها من التراث المادي في قائمة (اليونسكو) الخاصة بالتراث العالمي المهدد بالخطر، يقول عسقول- فيونسكو جاءت لحماية وصون التراث العالمي الثقافي والطبيعي للشعوب أمام الأخطار العديدة التي تهدد وجوده وبقائه بموجب معاهدات دولية ناظمة له.

ويختم:" الأمر يتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات الرسمية والأهلية لصون هذا التراث الذي يعدّ مظهرًا أساسيًا لإبراز أساليب عيش الشعب الفلسطيني الأصيلة وإنجازاته وإبداعه".