شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 04 اعسطس 2020م22:24 بتوقيت القدس

غذاؤها بلدي وتتقن الصوف

"حربة".. (90) عامًا من الحَكَايا وألفُ وصية

19 فبراير 2020 - 21:56

النصيرات:

"ساق الله ع أيام البلاد، لما كان لبسنا واحد وعيشتنا وحدة، كلنا كنا نلبس ثوب و"قنعة" (غطاء يخفي نصف الوجه) عليها ليرات ذهب أو فضة، كل واحد حسب قدرته"، هكذا استهلت التسعينية حربة عيادة أبو زكري حديثها لنوى عن أيام البلاد.

تنسى الحاجة أن قطار العمر يتجه بها سريعًا نحو المئة، وتعود إلى ذكريات طفولتها حين كان "عرب الحناجرة" الذين تنحدر منهم يعيشون "هداوة البال" ببيتٍ من الشعر في بئر السبع جنوب فلسطين التي تحتلها قوات الاحتلال الإسرائيلي حاليًا.

الحاجة حربة "أم محمد"، التي تمدُّ يدها المرتجفة المجعّدة لتصافح كل من يدخل "الخُص" (غرفة من البوص) الذي ما زالت تصرُّ على العيش فيه، لتُلقي عبارات الترحيب بلهجة بدويةٍ أصيلة لا تكاد تميّز معظم مفرداتها، لولا مساعدة حفيدها "إلياس" الذي يصرخ قرب أذنها مفسِّرا أسئلة الضيوف، فلِحاسة السمع في هذا العمر أحكامُها.

"سماني أبوي حَرْبَة، في السنة اللي انولدت فيها كانوا بيحاربوا الجراد، أخذوا من كل قبيلة 30 نفر وكلهم راحوا"، حدثَ ذلك عام 1930م حين غزا الجراد مزارع البدو في بئر السبع، ودمر حقول القمح والخضراوات.

كبرت حربة ونمَتْ "في بيئةٍ كان للأصول فيها أحكامها التي لا يمكن تجاوزها كما يفعل جيل اليوم على حد تعبيرها، أما بيوتهم وهي من الصوف والبوص شتاءً، ومن الشعر صيفًا "تشعرك كم كانت الحياة هناك صعبة وقاسية"، لكن "حربة" تقول :"إيش تكون، سقعة (برد)، ولا حر ما بنْصدّع"، أي لا نشكو من أي أوجاع كما يحدث اليوم.

طعام البدو قبل النكبة نظيف وصحي، وكله من "غلة الأرض": قمح، وكعُّوب، وخبيزة، وقرّيص، وكل ما تنتجه الأرض، لا يشبه طعام اليوم الذي ما زالت ترفض تناوله، فهي تعتمد في غذائها حتى الآن على ما تنتجه أرضها من زراعتها "بلا كيماويات"، وزيت الزيتون، ولحم دجاجاتها البلديات التي تعلفها بنفسها، وتضع طعامها في رفوف خزانةٍ قديمةٍ خاصةٍ بها، بينما تحرص على شرب كوب من اللبن كل صباح يحمله لها حفيدها.

لا تذكر شيئًا عن الأتراك سوى ما حدّثها به والدها، الذي قال "إنهم قاتلوا الإنجليز، واستشهد الكثير منهم"، لكنها تتذكر جيدًا حقبة الإنجليز، وترفض الحديث عن "نكبة عام 1948"، وكأن ذاكرتها تتهرب من الاعتراف بأن البلاد ضاعت.

تتعالى حربة على انحناء ظهرها، وصعوبة مشيتها، لتتجاوز ألمًا أصاب معدتها مؤخرًا، بينما ما زالت تحظى بصحةٍ جيدة، تقول بخصوص الإنجليز: "جابوا اليهود بوعد بلفور وطردوا الناس من ديارهم"، بينما لم تشهد بئر السبع تواجد أي يهوديٍ فيها حتى عام الهجرة "ليس كما كان الوضع في المدن الأخرى".

تجلس متربعةً على فرشةٍ قديمة وهي تروي كيف أن الإنجليز لم يأخذوا أراضي الناس في بئر السبع، فهم "كانوا عايشين في كموب (أي معسكرات للجيش الإنجليزي)، وفرضوا على الناس وغُرُم عالحلال، وغُرُم ع الأرض، وكانوا يتنقلوا بين الناس بالخيل". إلا أنهم طبّقوا أحكام الإعدام، وفرضوا غراماتٍ على الحقول والمزارع والبهائم، وهذا ما لا يمكن أن تنساه حربة أبدًا.

أما البدو في بئر السبع، وكانوا يمتهنون الرعي والزراعة، فكانوا يعرفون تمامًا ما ينص عليه وعد بلفور، كما تقول الحاجة: "عرفنا من المتعلمين، لا راديو ولا تلفزيون".

تجزم السيدة أن إضاءة البيوت بمصابيح الكاز، التي ما زالت تحتفظ باثنين منهم منذ تلك الأيام "كانت أجمل"، وطحن القمح والعدس والفريكة بالرحايا التي تحتفظ بها وتستخدمها حتى اليوم؛ كان أفضل بكثير من خبز اليوم الذي تجده "مؤلمًا للمعدة".

لا تتناول حربة إلا خبز القمح، وكل ما نأكله من وجهة نظرها يعدُّ سببًا في ضعف الصحة، "زمان ما كان في دكاترة، كانت الصحة منيحة" تعلق، أما من كان يشتكي عارضًا صحيًا آنذاك، فما عليه إلا زيارة الحكيم الذي يقدم له الوصفات البدوية، إذ لم تكن توجد مستشفيات ولا عيادات صحية.

للأفراح لدى بدو السبع تقاليد لا تشبه ما تجري عليه أفراح اليوم، فمن غير المسموح للعروس رؤية عريسها، أو الخروج إلى النساء اللواتي يتقدمن لخطبتها "فهذا عيب"، وعند العقد كانوا يضعون على البيت "قصلة" أي خصلة من الحشيش، ويقولون في "الشق" إن فلانة صارت برقبة فلان "أي أصبح زوجها".

أما أناشيد الأفراح فكانت ترددها الصبايا، وعن "زينة النساء" قالت بعد أن استهجنت سؤال "نوى": "كان "جمالهن رباني"، فقط الكحل العربي الذي تصنعه النساء، وتجديل الشعر وربطه بقماشة من الحرير ورفعه لأعلى، كانت هذه تسريحة الشعر في المناسبات السعيدة".

وحين كان مجلس العرب فيه القضاء، وفيه الحل والعقد قالت: "كان عنا مخاتير، وأكثرهم شهرة المختار أبو عايدة، والمختار العقبي، والمختار فريح أبو مدين، واللي كان يتشكَّى ع حد بيتشكاه في المجلس".

وللضيف تقاليد استقبال لا يمكن تجاوزها، فالمحلي يقدمون له اللبن وطيب الطعام، أما بالنسبة للضيف الغريب فيقدمون له الـ"ذبيحة"، أي يذبحون له فورًا، ويتم دعوة المحليين أيضًا لتناول الغذاء معه.

لا تود حربة الحديث كثيرًا عن عام النكبة، فهي فقدت والدها وشقيقها في ذلك العام، وتوفيت أختها في طريق الهجرة، بينما ضاعت البلاد وتشرّد العباد.

تصف مساحة أرضها فتقول: "كإن من دوار أبو صرار للوادي"، وهي مناطق في النصيرات وسط قطاع غزة، تعادل نحو 100 دونم، في إشارة منها إلى أن أرضها كانت واسعة فسيحة، "كان فيها حلال" أي حيوانات.

تزوجت حربة لأول مرة قبل البلوغ، ولم تتم 16 عامًا، ثم طُلقت، فكانت زيجتها الثانية قبل نكبة فلسطين، إذ هاجرت إلى منطقة "النصيرات" القريبة من بئر السبع عروسًا، سكنت قرب وادي غزة الذي يحزنها الآن حجم التلوث الذي يعاني منه، وتراكم النفايات حوله، "فقد كان مجرى لمياهٍ عذبة، ومكان "فسحة الناس"، كان "يمشي من الجبل للبحر" كما تصف، في إشارةٍ إلى منبع الوادي من جبال الخليل، قبل أن يجور عليه بطش الاحتلال فيجف ماؤه.

وجد الناس بعد الهجرة في محيط وادي غزة مخيمات يسكنوها، في النصيرات سكنت كل ثلاث عائلاتٍ في خيمة، بعد أن كانت بيوت الشعر تتربع وسط أراضٍ واسعةٍ غنّاء، وهنا افتُتحت عيادات الوكالة في وقتٍ لاحق، وبدأت النساء تتوجه إليها بعد أن كانت حتى الولادة ليست بحاجة إلى أي تدخلات، "كانت الصحة منيحة" كما تردد.

بعد الهجرة، عاد الناس هنا للزراعة بشكلٍ بسيط، واضطروا للجوء إلى الكيماويات، وعرفوا مضخات المياه، بعد أن كان الشعير، والقمح، والبطيخ، والفقوس، والبامية، والبندورة، وغيرها، كلها تُسقى حصرًا بمياه الأمطار.

اضطرت حربة للسكن في "بيت غيش" أي بيتٍ مصنوعٍ من البوص والطين، كما غيرها من اللاجئين، حينها "السقعة أكلت الناس" كما تصف.

مرّ الزمان وأنجبت حربة أبناءها، كلهم اليوم يملكون الأراضي ويسكنون بيوت الأسمنت، لكنها ما زالت تصر على السكن في الخص الخاص بها، تُكوِّرُ لفات الصوف، ومنها تغزل نسيجًا للتراث البدوي ما بين مروحة وعصا أفراح وأزياء البادية.

تعلّمت حربة نسج الصوف في السبع حين كانت صبية، علّمتها إياه صديقاتها ممن كُنَّ يملأن "الجرار" معها و"يسرحن" في رعي الأغنام، لكنها واصلت النسج حتى الآن، وتطير فرحًا كلما زارتها صبية من جيل الألفية الثالثة تطلب منها أن تعلمها نسج الصوف.

لم تود حربة إنهاء حديثها دون أن تُسمعنا شيئًا مما كانت تنشده في الأفراح عندما كانت صبية تزين عيناها الخضراوان بالكحل العربي، وتلف جدائل شعرها بعرق من الحرير:

محمد اخدني لقاني ولقيته

حطيت قدمي على قدمه وحبيته

ابراهيم يا شمعة خطوف المناديل

يا مبيت الرعب في قلوب الرجاجيل

بلاد غير ابن بلادي ما سكن قلبي

ورجال غير رجاله ما يعزني

يا زارعة الورد خلي امك على بالك

تكشف عن علتك تسال عن احوالك

بلادنا شيعت لينا مراسيلي والشعب في بلادنا غطى البساتين

بلادنا شيعت لينا مع الطراش

سلامات يا جود مع الرشراش 

مع حفيدها إلياس

تشير كيف كانت تخبىء العروس وجهها

إلياس يحمل طاحونة جدته

مشغولات بدوية صنعتها حربة بيديها

مصابيح الكاز التي ما زالت تحتفظ بها

 الخص الذي تضع فيه أعلاف الدجاج البلدي

كاريكاتـــــير