غزة-نوى-هدية الغول
يجد المزارع أيمن صبيح من بيت لاهيا، نفسه مضطرًا إلى هجرة أرضه الزراعية في حال استمر تلف المحاصيل الزراعية التي كان يقوم بزراعتها نتيجة تلوث التربة بالمياه المالحة حيث لا تصلح لعملية الري، خاصة أن معظم الأراضي الزراعية في تلك المنطقة انسحبت إلى الخلف مسافة 2 كيلو متر بعيدًا عن الساحل، بحثًا عن مياه عذبة.
ويشتري صبيح مياهًا "مفلترة " ويقوم بضخها عبر أنابيب للري، الأمر الذي يزيد من الأعباء والتكاليف المادية عليه، مبينًا أن المياه العذبة التي كانت تتوفر بكثرة سابقًا في الخزان الجوفي كانت تغطي احتياجات كافة بيارات الحمضيات والتفاح، غير أن هذه المحاصيل لم تعد موجودة الآن.
العديد من المزارعين اضطروا إلى التأقلم مع مشكلة المياه المالحة التي غزت الخزان الجوفي، تحديداً في منطقة "بيت لاهيا" شمال قطاع غزة، وتحولوا إلى زراعة البندورة والبصل والجزر، وهي مزروعات تتحمل نسب الملوحة العالية، بينما اضطر اخرون إلى هجرة أراضيهم بحثًا عن لقمة العيش، فمصاريف وتكاليف الزراعة وتوفير مياه عذبة للري لا تغطي تكاليف المزارعين، حسب تأكيدهم.
وحول المستقبل الزراعي للأراضي الزراعية والمزارعين أعرب صبيح عن خشيته من عزوف المزارعين عن زراعة أراضيهم نتيجة شدة ملوحة المياه، مشددًا على أنه في حال عدم إيجاد حل جذري للملوحة، فإن قطاع غزة سيضطر لاستيراد بعض الخضروات والفواكه كالتوت الأرضي والزهور والجوافة والخيار وغيرها من المحاصيل التي تأثرت بملوحة المياه في تلك المنطقة.
مشكلة ملوحة المياه ليست الوحيدة التي يواجهها مزارعو منطقة بيت لاهيا، حيث أن نسبة النترات في المياه فاقت النسبة الطبيعية بعشرات الأضعاف، وهي أزمة آخرى يعانيها المزارعون والسكان على حد سواء.
الخبير في القطاع الزراعي في الإغاثة الزراعية مجدي دبور أوضح أن نسبة النترات في المياه في منطقة بيت لاهيا بلغت 400 مليجرام للتر، بينما النسبة الطبيعية للنترات في المياه 45 مليجرام ما يفسر بأن المواطنين في بيت لاهيا يشربون "السرطان" شربًا بحسب دبور منذ 15 عاما حتى اليوم وتزيد نسبة النترات في المزروعات المسبب الأساسي للسرطان.
وأشار دبور إلى أن اختلاط مياه البحر المالحة مع مياه الخزان الجوفي دفعت المزارعين إلى الابتعاد عن ساحل البحر مسافة تبعد ما بين كيلو متر إلى اثني كيلو متر عن الساحل، بحثا عن مياه عذبة صالحة لري المزروعات.
وتعتبر منطقة شمال قطاع غزة من أهم المناطق الزراعية وكانت تتمتع بجودة مياه عذبة عالية جدًا إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تدهورًا حادًا نتيجة عدة أسباب أهمها الضخ الجائر للمياه الذي أدى إلى دخول مياه البحر المالحة واقتحامها للخزان الجوفي، وانتشار برك المياه العادمة التي أضافت الكثير من الملوثات والأملاح لمياه الخزان الجوفي.
من جانيه أكد نزار الوحيدي مدير الإدارة العامة للتربة والري في وزارة الزراعة، أن الحلول الصغيرة لا يمكن أن تقدم حلًا جذريًا يعتمد عليه لإطالة أمد الزراعة في قطاع غزة، لافتًا إلى أن الحلول بعضها مرتبط بالقرار السياسي، ومنها ما هو مرتبط بإدارة الخزان الجوفي، وضبط قانوني لإدارة المياه، من أجل إعادة تشكيل التركيب المحصولي لقطاع غزة.
وشدد الوحيدي على ضرورة منع حفر الآبار لعمق 200 متر من ساحل غزة، وتخزين مياه الأمطار وترشيد الري وتغير أنظمة الراي الاستهلاكية إلى أنظمة، وذلك من أجل تلافي الأزمة القائمة.
ويفتقر قطاع غزة إلى وجود سياسات واضحة اتجاه ترشيد المياه في ظل انتشار أبار مياه غير مرخصة والتي تزيد من عملية استنزاف الخزان الجوفي، وتبقى سياسات التأقلم مع الوضع القائم، وزراعة محاصيل تتحمل الملوحة هي الحل الأمثل لضمان استمرار المزارعين في العمل داخل أراضيهم، بالإضافة إلى المطالبة الفلسطينية بالحقوق المائية التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي.
























