شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 28 ابريل 2026م18:54 بتوقيت القدس

غزة تغني وسط الركام.. شيرين زيدان تصنع الأمل في خيمة

28 ابريل 2026 - 14:26

شبكة نوى، فلسطينيات: داخل خيمة متواضعة في "مركز إيواء الزهور" بمخيم النصيرات للاجئين، وسط قطاع غزة، تتعالى أصوات الأطفال وهم يرددون ألحاناً جماعية، تحت إشراف شيرين زيدان، مدربة الجوقات في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى.

تحوّلت هذه الخيمة إلى مسرح للحياة، حيث يجد الفتيان والفتيات النازحون مع أسرهم في الموسيقى والغناء وسيلةً للتفريغ النفسي، ومتنفساً يخفف عنهم أهوال حرب الإبادة الإسرائيلية، التي أثقلت كاهلهم بالخسارات والآلام.

تعمل شيرين، 44 عاماً، ضمن مشروع "غزة تغني"، الذي أطلقه معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى عام 2017. وتقول لـ"نوى" إنها عادت إلى العمل وحياة الموسيقى بعد توقف قسري دام عاماً كاملاً، بسبب اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، لتواصل رسالتها الفنية والإنسانية.

تحمل شيرين آلاتها الموسيقية والكثير من الشغف، وتتنقل يومين أو ثلاثة أيام أسبوعياً إلى مركز الإيواء، لتدريب مجموعات من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و16 عاماً. وتتحدث بإعجاب عن أن الفتيات أكثر إقبالاً على تعلم الموسيقى والغناء، مقارنةً بالذكور.

لم تترك حرب الإبادة شيئاً على حاله؛ فقد تعرّض المقر الرئيسي لمعهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، في حي تل الهوى بمدينة غزة، للتدمير الكلي، بما فيه من آلات موسيقية ومعدات يصعب توفيرها في القطاع الصغير والمحاصر، إذ تحرم القيود المشددة، التي تفرضها قوات الاحتلال على المعابر، الغزيين من أبسط احتياجاتهم، بما في ذلك أدوات الموسيقى، وألعاب الأطفال، وحتى الدواء والغذاء.

ورغم ذلك، تصر شيرين على مواصلة عملها، وتشير إلى أن المبادرة مجانية بالكامل، وتشمل تدريبات صوتية، وتعليم السلم الموسيقي، ومهارات السمع، إضافةً إلى تدريبات الكورال الجماعي. كما تتيح للأطفال الموهوبين فرصة تعلم العزف على آلات مثل العود، والكمان، والطبلة.

وقد بدا الأثر النفسي للموسيقى واضحاً على وجوه الأطفال الذين أنهكتهم الحرب؛ منهم من فقد أحد والديه أو كليهما، وآخرون فقدوا أطرافهم، كالطفل محمد أبو عيدة، 12 عاماً، الذي فقد ذراعه في غارة جوية إسرائيلية، ولم يعد قادراً على العزف على آلة العود، وهو يتلقى العلاج حالياً في الأردن.

وعن هذا الطفل، تقول شيرين إنه كان موهوباً جداً، ولديه شغف كبير باحتراف العزف على العود، لكن إصابته، التي أفضت إلى بتر ذراعه، وضعت حداً لأحلامه دون أن تقتلها تماماً؛ إذ امتلك من الإرادة ما يكفي لمواصلة طريقه، باختيار آلة موسيقية بديلة تناسب وضعه الصحي والجسدي.

وهناك أيضاً الطفلتان الشقيقتان دنيا، 10 أعوام، وجنا ناصر، 12 عاماً، اللتان فقدتا والدهما. أُصيبت جنا بمرض في الغدة أثّر على صوتها، لكنها تمكنت، بفضل التدريب والتشجيع، من الاندماج في الكورال الجماعي، لتجد في الغناء مساحةً للتعبير عن نفسها، رغم الألم.

وتُبدي شيرين سعادةً بالغة بما تلمسه من أثر الموسيقى على الأطفال، وترى أن الغناء والعزف يمنحانهم مساحةً للتنفيس عن مشاعرهم، ويعيدان إليهم شيئاً من الفرح المفقود، وسط قسوة الحرب وظروف النزوح.

وتشهد هذه المبادرة الفنية تنامياً ملحوظاً في إقبال الأطفال على المشاركة في فعالياتها، حيث يجدون فيها فرصةً للهروب من واقعهم القاسي، ولو لساعات قليلة، والاندماج في عالم من الألحان والأصوات التي تمنحهم الأمل.

وتُضيف شيرين أن الموسيقى تتحول إلى لغة مقاومة وصمود، حيث يواجه الأطفال أحزانهم بأصواتهم وألحانهم، ويعيدون رسم ملامح الفرح في قلوب أنهكتها الحرب.

ولا تقتصر هذه المبادرة على تعليم الغناء والعزف فحسب، بل تمثل — بحسب شيرين — مساحةً آمنة للأطفال للتعبير عن مشاعرهم، وتمنحهم فرصةً لاستعادة جزء من طفولتهم المسلوبة. فالموسيقى هنا ليست مجرد ترف، بل وسيلة للبقاء، ولغة للتواصل مع الذات والآخرين، وأداة لإعادة بناء الروح.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير