غزة-نوى:
بعد أن كان بحر قطاع غزة المتنفس الوحيد للغزين وللفقراء خاصة، تحول هذا البحر إلى خطر يهدد حياتهم، فالطفل محمد السايس ذو الخمس سنوات توفي قبل أقل من شهر، بعد رحلة ترفيهية أمضاها على شاطئ بحر غزة قبالة منطقة الشيخ عجلين وهي أكثر المناطق تلوثا بالمياه العادمة.
ظهر المرض على الطفل السايس بعد يوم واحد فقط من ارتياده للبحر، وتأخرت تحويلة العلاج إلى الخارج فتوفي بعد عشرة أيام من إصابته بتسمم مجهول أدى إلى حدوث تلف في الدماغ، وفق إفادة التقارير الصحية.
وأوضح الوالد السايس، أن طفله أصر على الذهاب إلى البحر في ذلك اليوم هربا من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة وحر الصيف الشديد برفقة مجموعة كبيرة من عائلته، وقضى معظم الوقت في السباحة على شاطئ البحر قبل أن يعود إلى المنزل مع ساعات الفجر الأولى.
وقال السايس: "بدأت علامات الإعياء والإرهاق تظهر على بعض أفراد العائلة، وبشكل أكبر على إبني محمد حيث كان طوال الوقت نائماً، فنقلته لمستشفى الدرة في حي التفاح، وأجريت له الفحوصات اللازمة وهو في غيبوبة، كما خضع لصورتين مقطعيتين، ونقل لغرفة العناية المركزة بسبب تدهور وضعه الصحي سريعا، إلى أن فارق الحياة".
توجهت "نوى" إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة للحصول على إحصائية رسمية حول عدد المصابين بالأمراض المختلفة نتيجة تلوث البحر بالمياه العادمة فلم تتوصل إلى أي نتيجة، حيث أكد الدكتور أيمن السحباني رئيس قسم الإستقبال والطوارئ أن القسم يستقبل يوميا ما يقارب 400 حالة نتيجة حوادث مختلفة.
وأشار السحباني لـ"نوى" إلى أن العديد من الحالات المتعلقة بالنزلات المعوية وضربات الشمس تصل إلى المستشفى متأخرة، بعد أن يكون الطفل قد قضى أيامًا في المنزل وهو يعاني من أعراض الأمراض المختلفة التي سببها تلوث البحر.
وقال السحباني: "يتعامل الأهل مع الحالة المرضية للطفل بشكل منفرد، وينسون أنهم قضوا الوقت في مياه البحر الملوثة، وتمضي الساعات والأيام قبل أن يصل الطفل المصاب إلى المشفى فيتعذر علينا تشخيص الحالة على أنها نتيجة تلوث مياه البحر".
ولفت السحباني إلى أن العديد من الحالات المتعلقة بتلوث مياه البحر لازالت تصل إلى المستشفى بشكل يومي، ولكن دون أن يكون هناك إحصائية رسمية للحالات المتعلقة بالتلوث.
مراكز حقوقية في قطاع غزة حذرت من ألا يكون الطفل السايس الضحية الأخيرة لتلوث البحر بالمياه العادمة نتيجة استمرار الأزمات التي يعاني منها القطاع، وعلى رأسها أزمة التيار الكهربائي، وما تنطوي عليه من آثار.
الحقوقي في مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير زقوت، أكد أن وفاة الطفل السايس يشكل إنذارا جديا بمدى خطورة الأوضاع التي وصل اليها قطاع غزة، وخاصة الأوضاع الإنسانية جراء جملة من التدابير أهمها الحصار الاسرائيلي إلى جانب المناكفات الفلسطينية الفلسطينية.
وقال زقوت: "إذا ما استمر الوضع القائم فإن الطفل السايس -وهو الضحية الأولى لتلوث البحر ولأزمة الكهرباء ولعدم قدرة محطات معالجة الصرف الصحي على العمل في قطاع غزة- لن يكون الأخير إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه".
وتواصل البلديات تصريف أكثر من 110 ألف متر مكعب من المياه العادمة بصورة يومية على طول شاطئ لا يتجاوز 40 كم، وهو المتنفس الوحيد لسكان قطاع غزة دون معالجة أو بمعالجة جزئية،فتحول بحر القطاع من محمية طبيعية الى مكرهة صحية ومستنقع من مياه للصرف الصحي.
سلطة جودة البيئة في قطاع غزة أخذت عينات من بحر قطاع غزة من شماله إلى جنوبه حيث أظهرت نتائج الفحص لجودة مياه شاطئ محافظات غزة (أغسطس 2017)،تلوث نحو 63% من طول الشاطئ الكلي، وهذه النتيجة أفضل نسبيًا من فحص يوليو الماضي حيث أظهرت النتائج في حينها تلوث 73% من البحر.
وقد أظهرت نتائج الفحص الجديد -بحسب البيان- أن نفوذ بلديات غزة و جباليا والزهراء والنصيرات والزوايدة على البحر ملوث بالكامل وغير آمن للسباحة، في حين طال التلوث أجزاء كبيرة من نفوذ بلدية بيت لاهيا، وبدرجة أقل نفوذ بلدية دير البلح ومحافظات خانيونس و رفح.
اجتمع مثلث الموت في غزة "انقطاع الكهرباء، وتلوث البحر، وتأخر التحويلة الطبية"، فمات السايس ذو الخمس سنوات في رحلة كانت الاخيرة له مع ذويه، حادثة تبقي باب السؤال مشرعاً: من هي الضحية الثانية؟.
























