شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 25 سبتمبر 2026م01:17 بتوقيت القدس

الأمم المتحدة تحذر من انتقال أمراض معدية..

صرفٌ مكشوف.. تحت أقدام النازحين تزحف حربٌ أخرى!

24 سبتمبر 2026 - 10:41

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"تتسرب مياه الصرف الصحي من المواسير ومن أماكن لا نعلمها"، بهذه العبارة وصف الستيني محمد قديح، ما يحدث داخل مركز إيواء في خانيونس، جنوبي قطاع غزة، حيث لم تعد مياه الصرف الصحي مجرد مشكلة خدمية، بل جزءًا من يوميات النازحين هناك.

تتسرب المياه إلى المركز من أماكن مختلفة، بينما تملأ الروائح المكان على مدار الساعة، ويقول قديح: "بعض النازحين أصيبوا بالمرض جراء ذلك".

ويضيف: "شاهدتُ بعيني نساءً حوامل سقطن أرضًا وأغمي عليهن نتيجة عدم استطاعتهن تجاوز آثار تسرب مياه الصرف الصحي وتدفقها إلى مخيم النزوح".

أظهر تقييم لمواقع النزوح في غزة أن (69%) من المواقع التي شملها المسح كانت فيها مياه صرف صحي مكشوفة.

ما يراه قديح ليس حالةً منفردة. ففي يوليو/تموز الماضي، أظهر تقييم لمواقع النزوح في غزة أن (69%) من المواقع التي شملها المسح كانت فيها مياه صرف صحي مكشوفة داخل تجمعاتها، بسبب تضرر الشبكات أو انسدادها.

ومع تعطل المرافق، اضطرت بعض الأسر إلى استخدام الدلاء والأكياس البلاستيكية لقضاء حاجتها.

وفي سبتمبر/أيلول الجاري، حذّرت الأمم المتحدة من أن الاكتظاظ وضعف المأوى ومحدودية الوصول إلى المياه وخدمات الصرف الصحي الآمنة تزيد مخاطر انتقال الأمراض المعدية، مشيرةً إلى أن التهابات الجهاز التنفسي والإسهال المائي الحاد وأمراض الجلد من بين أكثر الأمراض التي يجري الإبلاغ عنها.

في مواصي المدينة الجنوبية، لا تحتاج إيمان معين أيضًا إلى النظر بعيدًا لتعرف حجم الخطر الذي يحيط بأطفالها. تعيش إيمان مع طفليها، سهى وأحمد، في خيمةٍ لا تبعد سوى أمتار عن خزان كبير لمياه الصرف الصحي، تقول "إن عمقه يتجاوز عشرة أمتار، ولا يفصله عن الخيام سوى ساتر ترابي".

وتضيف: "كنت مرعوبة طوال الوقت، لو كنت في الخيمة أو خارجها، يخيل لي أن أطفالي سقطوا هناك، يخيل لي أن انفجارًا ما حدث وأغرقنا بمياه الصرف الصحي".

لكن الخزان ليس مصدر خوفها الوحيد. تخبرنا أن أسرتها تعيش أيضًا وسط انتشارٍ كثيفٍ للذباب والبعوض والحشرات والقوارض، تصفه بـ"الجنوني".

وفي شمالي مدينة غزة، يتحدث هيثم الشيخ علي، من منطقة بئر النعجة، عن خطر آخر يكبر أمام الأطفال. ثلاث برك لتجمع مياه الصرف الصحي تتوسع، فيما يزدحم المكان بالأطفال.

ويقول: "لا يعرف الأطفال من أي طريق يسيرون. الحشرات نهشت أجسادهم، لا ننام الليل ولا يخلو النهار من انقباض قلوبنا خشية أن يسقط أحدهم فيها".

"من لم يمت بالصواريخ في حرب الإبادة، سيقتل بآثارها التي جعلت من بيئة غزة مرتعًا للأمراض والتلوث وساحة خصبة لتسرب مياه الصرف الصحي".

ولا يخشى هيثم من الحاضر فقط، بل من موسم الأمطار الذي تستعد له غزة، حيث يمكن أن تتحول المياه المتسربة إلى برك أكبر داخل مواقع النزوح، وتختلط بمياه الأمطار، وتقترب أكثر من الخيام ومناطق لعب الأطفال ومصادر المياه.

ويناشد الرجل الجهات المختصة للإسراع بالتدخل، قائلا: "من لم يمت بالصواريخ في حرب الإبادة، سيقتل بآثارها التي جعلت من بيئة غزة مرتعًا للأمراض والتلوث وساحة خصبة لتسرب مياه الصرف الصحي دون حلول".

وبين خزانٍ عميقٍ تحرسه عائلة إيمان بعيونها، وبرك تتسع قرب أطفال بئر النعجة، ومياه تتسلل إلى مركز إيواء في خانيونس، يبدو الصرف الصحي خطرًا يخرج من تحت الأرض، يتسرب بين الخيام، يحمل معه الروائح والحشرات ومخاوف المرض، ويضع النازحين أمام معركة أخرى لا يملكون فيها سوى انتظار حل.

ومع اقتراب الأمطار، لا يخشى السكان أن تفيض المياه فقط، بل أن تحمل معها ما تراكم في شبكات الصرف المدمرة، فتدخل إلى أماكن نومهم ولعب أطفالهم ومصادر مياههم.

في غزة، لم تعد مياه الصرف الصحي خلفية لمشهد الحرب، لقد أصبحت جزءًا من المشهد نفسه، تزحف إلى الخيام ببطء، فيما يحاول سكانها إبعاد أطفالهم عنها قبل أن تصل إليهم.

كاريكاتـــــير