غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تتوزع الخضراوات والفواكه على أكوام في أسواق غزة، لكن أيدي كثير من المواطنين لا تمتد إليها كما تشتهي. يقف بعضهم أمام الأصناف، يقارن الأسعار ويعيد حساباته، قبل أن يكتشف أن ما تحتاجه مائدة أسرته بات أبعد من قدراته.
هكذا حوّلت الأسعار المرتفعة وشحّ بعض السلع شراء الغذاء إلى معركة يومية، وأعادت مخاوف عودة شبح المجاعة، رغم فتح المعابر التجارية ودخول البضائع إلى القطاع.
بالنسبة إلى أم حسن السقا، لا تقتصر المشكلة على الغلاء، بل تمتد إلى عجزها عن توفير غذاء متوازن لأسرتها، التي تضم أبناءها ووالديها المسنّين، ويحتاجان إلى عناية غذائية خاصة.
وفي ظل غياب مصدر دخل ثابت، باتت أسعار الخضراوات تفوق طاقتها، وصارت تفكر مليًّا قبل شراء كل حاجة أساسية، ومع قلة الكميات المتاحة وارتفاع أسعارها، تحوّلت الاحتياجات اليومية إلى عبء جديد يضاف إلى أعباء الحياة في القطاع.
تشكو أم خالد المجايدة من عرض بعض المحال الخضراوات والفواكه ضمن "بكجات" متكاملة، ورفضها بيع صنف أو اثنين على حدة.
ولا تتوقف المعاناة عند الأسعار وشحّ الأصناف، بل تمتد إلى طريقة البيع نفسها. تشكو أم خالد المجايدة من عرض بعض المحال الخضراوات والفواكه ضمن "بكجات" متكاملة، ورفضها بيع صنف أو اثنين على حدة، ما يُجبر الزبائن على شراء المجموعة كاملة، حتى إن لم يحتاجوا إلى كل محتوياتها أو يملكوا ثمنها.
وتضع هذه الممارسة الأسر محدودة الدخل، التي تشتري بكميات صغيرة وفق ما يتوافر لديها من مال، أمام خيارات ضيقة، ليغدو التسوق عبئًا إضافيًا على عائلات تحاول تدبير شؤونها بأقل الإمكانات.
أما رنا الحسنات، فيعيد إليها الغلاء المتواصل ذكريات شهور المجاعة التي عاشتها الأسر في غزة، ويوقظ مخاوف تكرار تجربة الجوع والحرمان، في وقت لا تزال فيه القدرة على تأمين الغذاء محدودة.

وفي الجهة الأخرى من السوق، لا يبدو الحال أفضل لدى أصحاب محال التجزئة الصغيرة، الذين يواجهون بدورهم صعوبات في توفير البضائع. يقول أحدهم: "أذهب كل يوم إلى سوق الجملة، فأفاجأ بأسعار تفوق قدرة الناس على الشراء بصورة مخيفة"، موضحًا أن ذلك يجعله مترددًا في شراء بضائع قد لا يجد من يبتاعها.
ويضيف: "لا أستطيع الحصول على أي حصة من المواد الغذائية المجمدة، إذ يقتصر توفرها، بحسب ما أرى، على المحال الكبيرة"، ما يحدّ من قدرته على تنويع معروضاته.
ويشير إلى تفاوت الأسعار بين المدن والمناطق، وحتى بين البائعين أنفسهم، قائلًا: "كل بائع يبيع بسعر، وكلها أسعار مرتفعة وفوق طاقة المواطن".
وفي تفسير هذه الاختلالات، يرى المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن أسواق غزة تعاني ما وصفه بـ"التشوهات السوقية"، نتيجة سياسات إسرائيلية كرّست، منذ اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، حالة من الاحتكار، عبر حصر توريد البضائع في عدد محدود من التجار.

ويوضح أن القطاع يحتاج، في الظروف الطبيعية، إلى نحو 800 شاحنة يوميًا، وكان يستقبل قبل الحرب ما بين 700 و800 شاحنة. أما البروتوكول الإغاثي فينص على إدخال 600 شاحنة، لكن المتوسط الفعلي، بحسب تقديره، لا يتجاوز 200 شاحنة.
ولا تتعلق المشكلة بالكميات وحدها، بل بنوعية البضائع الداخلة أيضًا، إذ لا يلبي جزء منها الاحتياجات الغذائية الأساسية، فيما تشحّ السلع الاستراتيجية، كالطحين والخضراوات والفواكه والبيض واللحوم والدواجن. ويستشهد أبو قمر بإدخال 63 شاحنة فحم خلال أزمة إغلاق استمرت ستة أيام، في وقت كانت فيه المخابز تغلق أبوابها، ويتزاحم المواطنون للحصول على الخبز.
ويحذر من أن تراجع الإنتاج المحلي جعل غزة أكثر اعتمادًا على الخارج، فبعدما كان القطاع يحقق اكتفاءً ذاتيًا من الخضراوات يفوق حاجته، وينتج نحو 65 إلى 70 في المئة من بعض أصناف الفواكه، فقد قدرته السابقة على التخزين والتصنيع. وبذلك، بات إغلاق المعابر، ولو ليوم واحد، كفيلًا بإرباك الأسواق.
"تجاوز الأزمة يمرّ عبر إعادة النظر في آليات إدخال البضائع، والحدّ من الاحتكار، وضمان حرية المنافسة، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية وارتفاع تكاليف التنسيق".
ويرى أبو قمر أن تجاوز الأزمة يمرّ عبر إعادة النظر في آليات إدخال البضائع، والحدّ من الاحتكار، وضمان حرية المنافسة، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية وارتفاع تكاليف التنسيق والإتاوات المفروضة على التوريد.
فمجرد وصول الخضراوات والفواكه إلى الأسواق لا يعني أن الغذاء أصبح متاحًا. وما دام المواطن يقف أمامها عاجزًا عن الشراء، سيظل الجوع حاضرًا، لا في موائد العائلات فحسب، بل في مخاوف الأمهات أيضًا.
























