شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 19 اكتوبر 2026م11:56 بتوقيت القدس

للكاتب ناصر عطالله

"صائد الأمواج".. عن شاعرٍ لم يكتمل وداعه وعاد في كتاب

18 اكتوبر 2026 - 11:02
الشاعر الشهيد سليم النفار
الشاعر الشهيد سليم النفار

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لا يريد الكاتب ناصر عطاالله أن يتحول الشاعر سليم النفار إلى رقم آخر في سجلات الموتى. من هنا، كتب "صائد الأمواج"، مستعيدًا سيرة صديق حمل قضيته منذ طفولته، قبل أن يستشهد في بداية الإبادة مع أفراد من عائلته، وتبقى رفاته ورفات عائلته تحت الركام.

في الكتاب، لا تقف الكتابة عند حدود استعادة الغائب، بل تتحول إلى شهادة على الخسارة الفلسطينية، ومناشدة مفتوحة لانتشال الشهداء ومنحهم حقهم في الدفن، وللأحياء حقهم في التذكر.

يقول عطاالله، مستذكرًا الدافع الذي قاده إلى كتابة سيرة صديق عمره: "لم أتخيّل أن يتحوّل سليم النفار إلى مجرد رقم. أصبح القاتل مقاتلًا توضع على صدره الأوسمة، والمقتول رقمًا.. مجرد رقم في سجلات الموتى".

فقد سليم والده شهيدًا في طفولته، وتحمل مسؤولية عائلته في سن مبكرة، بعيدًا عن رفاهية العيش وألعاب الأطفال، ومضى في حياته محمّلًا بجرحه.

من هذا التناقض بين حياة كاملة تختزلها الأرقام، وموت لا ينتهي حتى بعد الاستشهاد، وُلد الكتاب محاولةً لمقاومة النسيان، ونداءً لانتشال رفات سليم وعائلته، إلى جانب أخيه وعائلته، من تحت الأنقاض.

في ذاكرة عطاالله، لم يكن سليم شاعرًا فحسب، بل إنسانًا تشكّلت ملامحه مبكرًا تحت وطأة الفقد والمسؤولية. فقد والده شهيدًا في طفولته، وتحمل مسؤولية عائلته في سن مبكرة، بعيدًا عن رفاهية العيش وألعاب الأطفال، ومضى في حياته محمّلًا بجرحه، مواصلًا طريقًا شائكًا لم يتوقف فيه طويلًا عند احتياجاته الخاصة. هكذا تشكلت ملامح شخصيته، وبقي أثره حاضرًا في ذاكرة من عرفوه، حتى بعد أن غيّبه الموت.

ومنذ صباه في المنفى، بدأ النفار مشروعه الشعري، متخذًا من الكلمة طريقًا للنضال من أجل قضية شعبه. درس الأدب العربي في جامعة تشرين بمدينة اللاذقية السورية، وسعى إلى بناء تجربة أدبية تتصل بواقعه الفلسطيني، وتمنح الوجع لغة تتجاوز حدود اللحظة.

ومع ذلك، يرى عطاالله أن أعمال صديقه لم تنل بعد ما تستحقه من قراءة نقدية، داعيًا النقاد والباحثين والمهتمين بالأدب الفلسطيني إلى إعادة اكتشافها وإخضاعها للبحث الأكاديمي، حتى لا تختزل سيرة الشاعر في الطريقة التي انتهت بها حياته.

وفي "صائد الأمواج"، تتجاوز الحكاية حدود الصداقة لتستعيد تجربة الفلسطيني الذي يواجه نكبات متلاحقة، ويتمسك بأرضه وهويته رغم الخسارات.

ويصف عطاالله كتابه بأنه سيرة غيرية ومرثية وتوثيق لمحطات وأمكنة جمعت الصديقين، فضلًا عن كونه تسجيلًا لقضية شعب سُلبت أرضه، وما زال يدفع أثمانًا باهظة من حياته ومستقبله.

وللاقتراب من سليم الإنسان، لم يكتفِ عطا الله بذاكرته الشخصية، بل استعان بشهادات شقيقاته ورفاقه في المنفى والوطن، مسترجعًا ما جمعهما من تجارب وذكريات. وكان حريصًا على أن يغلب الحقيقي على المجاز، وأن يتيح للقارئ التعرف إلى الشاعر كما عرفه المقربون منه، من دون أن تتحول السيرة إلى حكاية عن الكاتب نفسه.

لكن الإبادة أضافت إلى هذه السيرة طبقة أخرى من الألم، وغيّرت زاوية قراءة عطاالله لشعر صديقه. فسليم، الذي آمن بأن الأمة العربية يمكن أن تكون سندًا للشعب الفلسطيني، عبّر في نصوصه عن مرارة تراجع المواقف العربية والتخلي عن القضية، وصولًا إلى تطبيع بعض الدول العربية مع "إسرائيل".

"لم تعد المرارة مجرد موقف سياسي أو إحساس عابر، بل غدت تجربة يجسدها الموت، ويضاعف وطأتها بقاء الشهداء تحت الركام".

اليوم، يقول عطاالله إنه يقرأ تلك النصوص بمرارة أعمق، بعدما أصبح صديقه وعائلته من ضحايا الخذلان الذي طالما حذّر منه الشاعر. لم تعد المرارة مجرد موقف سياسي أو إحساس عابر، بل غدت تجربة يجسدها الموت، ويضاعف وطأتها بقاء الشهداء تحت الركام.

وللبحر مكانة خاصة في الكتاب، فهو رفيق سليم ورمزه الشعري، رغم علاقته المؤلمة به منذ أن حمل جثة والده الشهيد وقذف بها إلى الشاطئ. لم يتحول البحر إلى خصم في وجدان الشاعر، بل ظل حاضرًا في ذاكرته ومخيلته، واستعاد من خلاله والده في قصيدته "نشيد البحار"، جاعلًا منه شاهدًا على البطولة والحق.

ولهذا اختار عطاالله البحر عتبةً للكتاب، كأنه يعيد إلى صديقه رمزًا رافقه طويلًا، ويفتح لسيرته بابًا يلتقي فيه الشعر بالذاكرة والفقد.

غير أن ما يمنح "صائد الأمواج" ثقله الإنساني لا يقتصر على استعادة حياة الشاعر ومنجزه، بل يمتد إلى حقيقة أن سليمًا لم يُدفن بعد. فقد استشهد مع ثلاثة عشر من أفراد عائلته، من أعمار مختلفة، وما زالت رفاتهم تحت الركام، في انتظار انتشالها ومواراتها الثرى.

ما يمنح "صائد الأمواج" ثقله الإنساني لا يقتصر على استعادة حياة الشاعر ومنجزه، بل يمتد إلى حقيقة أن سليمًا لم يُدفن بعد.

ويؤكد عطاالله أن هذه الحقيقة كانت من الأسباب التي دفعته إلى إنجاز الكتاب، وأنه وضع توقيعه في صفحته الأخيرة بوصفه مناشدةً مستمرة لانتشالهم. يقول: "يحق أن يكون لهم حنجرة تصرخ في المدى ليتم انتشال جثامينهم من تحت الركام".

 ويرى أن كتابه هو تلك الحنجرة، وأن صوته لن يسكت ما دام صديقه ومن معه لم يُنتشلوا من تحت الأنقاض، "فالكتابة لا تعوّض الجثمان الغائب، لكنها ترفض أن يصبح الغياب نهائيًا، أو أن تُطوى الحكاية قبل أن يستعيد أصحابها حقهم في الدفن".

ويرى عطاالله أن خسارة المبدع لا تُعوّض؛ لأننا لا نفقد شاعرًا فحسب، بل تجربة إنسانية لا تتكرر. وفي حالة سليم النفار، تظل الخسارة مفتوحة على وجهين: شاعر يستحق أن يُقرأ منجزه بعيدًا عن اختزال حياته في خاتمتها، وجثمان ما زال ينتظر أن يُنتشل من تحت الركام.

وبين السيرة التي تستعيده والنداء الذي يطالب بانتشاله، يحاول "صائد الأمواج" أن يحفظ لسليم اسمه وحكايته، وأن يذكّر بأن استعادة الراحل لا تكتمل بالكلمات وحدها، ما دام حقه في الدفن لا يزال معلقًا.

كاريكاتـــــير