شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 02 نوفمبر 2026م13:25 بتوقيت القدس

عائلات مفقودين حرمت من المساعدات بسببها..

"شهادة الوفاة".. وثيقة عبور إلى الحياة بغزة!

02 نوفمبر 2026 - 12:33

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في 27 أغسطس/آب 2025م، خرج سامي زوج أم محمد، من منزله بحثًا عن طعام لأطفاله الذين أنهكهم الجوع، متوجهًا إلى منطقة "زيكيم" شمال غربي مدينة غزة. كان يعرف خطورة الطريق، لكنه لم يكن يملك ترف الانتظار أمام جوع أطفاله.. ذهب ولم يعد.

منذ ذلك اليوم، بقي مصيره مجهولًا، وبقيت أسرته معلّقة بين احتمال عودته وخبر قد يضع حدًا لانتظارها. انتظرت أم محمد (اسم مستعار) طويلًا، من دون أن يصلها ما يبدد قلقها، ثم بدأت، بعد أربعة أشهر، تطرق أبواب المؤسسات الإغاثية طلبًا للمساعدة.

لم تكن تفتقر إلى ما يثبت حاجتها، بقدر ما كانت تفتقر إلى ورقة واحدة.. شهادة وفاة زوجها.

اشتد بها العوز، ولم تعد قادرة على تأمين الطعام لأطفالها، وحين لم تجد سبيلًا إلى المساعدة، لجأت إلى استخراج شهادة وفاة لسامي، مستعينة بشهادتين من قريبين لها أقسما أنهما رأيا جثمانه، رغم أنهما لم يشاهداه.

أم محمد: حصلت على 800 شيكل بعدما أصبحت "أرملة" على الورق.

تقول: "اضطررت إلى استخراج شهادة وفاة له من دون أن أجد جثمانه. أعرف أن ما فعلته خطأ، لكن العوز دفعني إليه".

لم تكن الورقة بالنسبة إليها يقينًا بوفاة زوجها، بقدر ما بدت طريقًا اضطراريًا للوصول إلى مساعدة حُرمت منها، إذ لا تزال تصفه بالمفقود. وبعد استخراجها، عادت إلى الجمعية التي رفضت طلبها سابقًا، وحصلت على 800 شيكل لمرة واحدة.

تضيف: "سجلت نفسي في بعض المؤسسات أرملةَ شهيد، لا زوجةَ مفقود، حتى أحصل على مساعدة تحمي أطفالي من الجوع".

لم يكن ما حصلت عليه كافيًا لتغيير واقع الأسرة، لكنه يكشف مأزقًا يتجاوز حالة فردية: كيف تحصل امرأة فقدت معيلها ولا تعرف إن كان حيًا أم ميتًا على حق أسرتها في المساعدة، من دون أن تضطر إلى حسم مصيره على الورق قبل أن تعرف حقيقته؟

حين لا تكفي صفة المفقود

تتكرر المعضلة في شهادة أسيل (اسم مستعار)، وهي أم لطفلين. فقدت زوجها في ديسمبر/كانون الأول 2023م، بعدما خرج بحثًا عن الطعام في منطقة شارع النفق وسط مدينة غزة. غاب الزوج وسط القصف وإطلاق النار، وطال انتظارها من دون أن تتلقى خبرًا مؤكدًا عنه.

تقول أسيل، وهي نازحة في أحد مخيمات الإيواء بمدينة غزة: "أخبرني أحد أصدقاء زوجي، وكان برفقته، أنهما تعرضا لاستهداف إسرائيلي، لكنه لم يشاهد زوجي بعد ذلك، ولم يتمكن أحد من إبلاغي بمصيره".

اضطرت الأسرة آنذاك إلى النزوح من دون أن تعرف ما حلّ بمعيلها، ومع تفاقم الجوع، وجدت أسيل نفسها أمام مسؤولية إعالة طفليها في ظل غياب أي مصدر دخل.

وتشير إلى أنها فقدت جنينها في ظروف ربطتها بانعدام الطعام، ثم راحت تسأل الأقارب والمعارف، وتطرق أبواب المؤسسات، بحثًا عما يسد رمق أطفالها.

لكنها، بعد مراجعة خمس مؤسسات إغاثية، تلقت الإجابة ذاتها: "المساعدة مخصصة للأيتام المسجلين الذين صدرت شهادات وفاة لآبائهم خلال الحرب".

بعد عام من فقدان زوجها، تمكنت أسيل من استخراج شهادة وفاة له، مستعينة بشاهدين لم يشاهدا جثمانه، وإنما اشتبه أحدهما في بعض ملامحه.

تقول: "عرفت أن هذه الطريقة غير مشروعة، لكنني كنت تحت ضغط الجوع والعوز، ولم أجد طريقًا آخر أستطيع من خلاله توفير الطعام لطفليّ".

أسيل دخلت بعض قوائم المساعدة بعد استخراج شهادة وفاة لزوجها.

غير أن الورقة لم تفتح بابًا لكفالة مستمرة، إذ لم تحصل الأسرة سوى على 300 شيكل لمرة واحدة. وتضيف أسيل: "لم يتحسن وضعي المادي بعد حصولي على ورقة تثبت وفاة زوجي. بقيت أواجه الاحتياجات نفسها، وكأن شيئًا لم يتغير".

ولا تعني هذه الشهادة أن كل المؤسسات تشترط شهادة الوفاة للحصول على المساعدة، لكنها تكشف أثر هذا الشرط في بعض برامج الكفالة التي تستهدف الأيتام، حين تصبح صفة الطفل القانونية مدخلًا إلى المساعدة، حتى لو كانت حاجته المعيشية قائمة بالفعل.

في المقابل، اختارت شيماء عبد الله عوض (40 عامًا)، من شمال قطاع غزة، ألا تستخرج شهادة وفاة لزوجها مصعب، رغم مرور أشهر على فقدانه في مايو/أيار 2024.

كان مصعب قد بقي مع والدته ذات الإعاقة في جباليا، بينما نزحت شيماء وأطفالها إلى جنوبي القطاع. ومنذ ذلك الحين، لم تصل العائلة أي معلومة مؤكدة عنه، رغم محاولات التواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومؤسسات محلية ودولية.

وجدت شيماء نفسها بلا معيل أو مصدر دخل، في وقت كانت فيه احتياجات ثمانية أطفال تتزايد، فيما لم تجد استجابة من المؤسسات التي طرقت أبوابها. وتقول إن السؤال الذي كان يتكرر أمامها هو: "أين ما يثبت وفاة زوجك؟".

كانت أمام خيار شديد القسوة: أن تستخرج شهادة وفاة قد تفتح لها باب المساعدة، أو تتمسك بأمل عودة زوجها حيًا. وتضيف: "كيف أستخرج شهادة وفاة وزوجي لا يزال مفقودًا، ونحن جميعًا نأمل أن يعود حيًا؟". اختارت ألا تحوّل غيابه إلى إعلان رسمي عن موته، وبقيت، مع أطفالها، في مواجهة الجوع والعوز.

شيماء بقيت خارج البرامج الإغاثية لأنها رفضت إعلان وفاة زوجها المفقود.

أما سمر زرعي (32 عامًا)، وهي أم لأربعة أطفال، فمصابة بالسرطان والتلاسيميا. اختفى زوجها في أبريل/نيسان 2025، أثناء توجهه إلى نقاط المساعدات الأمريكية جنوبي قطاع غزة بحثًا عن الطعام لأطفاله، ومنذ ذلك الحين، لم يعد إلى أسرته.

حاولت سمر إيجاد وثيقة تساعدها في الوصول إلى المساعدات، فتوجهت إلى مجمع ناصر الطبي في خان يونس، لتستخرج شهادة مفقود، على أمل أن تكون كافية لإثبات غياب معيل الأسرة، لكن هذه الوثيقة لم تكن، بحسب تجربتها، ما تطلبه المؤسسات التي تستهدف الأيتام.

سمر تحمل شهادة مفقود، لكنها لا تكفي لتفتح أبواب المساعدة.

وتقول: "إحدى المؤسسات أبلغتني صراحة: لا نقبل سوى الأرامل، أي من تثبت وفاة أزواجهن، ولا نقبل طلبات زوجات المفقودين". وهكذا بقيت شهادة المفقود التي تحملها عاجزة عن فتح باب المساعدة التي تحتاجها، فيما وجدت نفسها أمام مفاضلة بين علاجها وطعام أطفالها.

وتتابع: "حين أحصل على مبلغ من المال، أفضّل شراء الطعام لصغاري على شراء الدواء، رغم حاجتي إليه". وتعيش الأسرة في خيمة تقول إن الكلاب الضالة تدخلها أحيانًا.

تصنيف المستفيدين.. وأسر خارج الكفالة

ولا تقتصر آثار هذا التصنيف على المساعدات النقدية، بل تمتد إلى برامج إيواء ورعاية الأيتام. ويقول خالد عبد ربه، مندوب أحد مخيمات رعاية الأيتام شمالي قطاع غزة: "إن استقبال أسر الشهداء يتطلب وجود ما يثبت أن الزوج شهيد حرب 2023م، وإن بعض الأسر التي كان الأب فيها مفقودًا رُفضت طلباتها لعدم وجود ما يثبت وفاته".

مندوب مخيم لرعاية الأيتام: من شروط استقبال الأسر وجود ما يثبت أن الزوج "شهيد حرب 2023".

ويقر عبد ربه بأن هذه السياسة تظلم أسر المفقودين، ويضيف: "أعرف أسرًا لجأت إلى استخراج شهادات وفاة بطرق غير قانونية حتى تحصل على الخدمات المخصصة لأسر الشهداء، وقد رفض مخيمنا أربع حالات لزوجات وأطفال مفقودين بسبب عدم إثبات الوفاة".

ويؤكد محمود كلخ، المدير العام لمدينة البركة للأيتام، وجود هذا التمييز في شروط الاستقبال، قائلًا: "تستقبل المدينة زوجات الشهداء وأبناءهم وفق شروطها، لكنها لا تستقبل أبناء المفقودين أو زوجاتهم".

مدير مدينة البركة للأيتام: نستقبل زوجات الشهداء وأبناءهم، ولا نستقبل أسر المفقودين.

في المقابل، يضع محمد صالحة، منسق عام شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، المسألة في إطار الاعتراف الرسمي، موضحًا أن الاستفادة من برامج كفالة الأيتام ترتبط بإثبات صفة الشهيد. ويقول: "يجب أن يكون الشهيد معترفًا به رسميًا، وشهادة الوفاة تساعد زوجته وأبناءه في الحصول على كفالة الأيتام".

شبكة المنظمات الأهلية: المفقود لا يحصل على شهادة وفاة لأن مصيره مجهول.

أما المفقود، فلا يحصل على شهادة وفاة ما دام مصيره مجهولًا، وقد يعود في أي لحظة، وفق صالحة. لكنه يشدد على أن غياب هذه الصفة لا ينبغي أن يعني غياب المساعدة عن الأسرة، مردفًا: "قد تحصل أسرة المفقود على مساعدات لوجستية باعتبارها أسرة محتاجة، والمرأة التي تدير أسرتها من دون زوجها تحتاج إلى المساعدة، بصرف النظر عن تصنيف أطفالها أيتامًا".

وهنا تتضح المسافة بين الاستحقاق الإنساني والتصنيف الإداري، فالأسرة التي فقدت معيلها تحتاج إلى الطعام والمأوى والدواء، سواء حُسم مصير المفقود أم بقي مجهولًا، لكن ربط بعض برامج المساعدة بإثبات الوفاة يضع هذه الأسر أمام إجراءات لا تملك وحدها تسريعها أو استكمالها.

بين الأنقاض والمصير المجهول

تتسع المشكلة مع اتساع أعداد المفقودين في القطاع، فبحسب المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني، محمود بصل، يبلغ عددهم نحو 13 ألف شخص، بينهم 8 آلاف تحت الأنقاض، و5 آلاف مختفون قسرًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م.

الدفاع المدني: 5000 شخص مختفون قسرًا منذ 7 أكتوبر 2023.

لكن الأرقام التي يقدمها الشيخ عمر نوفل، قاضي المحكمة العليا ورئيس اللجنة الحكومية لمتابعة ملف المفقودين، تختلف عن تقديرات الدفاع المدني. إذ يقول "إن عدد المفقودين منذ بدء الحرب بلغ نحو 21.500 شخص، بينهم 15.500 حالة وفاة مؤكدة لأشخاص لا تزال جثامينهم تحت الأنقاض، ولم يتمكن ذووهم من انتشالها أو نقلها إلى المستشفيات أو المشارح أو الأطباء الخاصين بسبب ظروف الحرب".

ويضيف نوفل: "مصير نحو 6000 شخص لا يزال مجهولًا، من دون معلومات مؤكدة بشأن ما إذا كانوا أحياء أم أمواتًا".

اللجنة الحكومية للمفقودين: 21,500 مفقود منذ بدء الحرب، بينهم 15,500 حالة وفاة مؤكدة لم تنتشل جثامين أصحابها.

وتعكس هذه الأرقام حجم ملف معقد، تتداخل فيه حالات الوفاة التي لم تنتشل جثامين أصحابها مع حالات الاختفاء التي لم يُحسم مصيرها.

كما أن اختلاف تقديرات الجهات يستدعي التمييز بين تعريف كل جهة للمفقود، والفترة التي تغطيها بياناتها، وطريقة احتساب الحالات. وبصرف النظر عن اختلاف الأرقام، فإن آلاف الأسر تواجه غياب معيلها، وتحتاج إلى مساعدات عاجلة ومستمرة لا ينبغي أن تتوقف على حسم مصير المفقود.

متى يصبح المفقود متوفى قانونًا؟

لا يتيح القانون إصدار شهادة وفاة لمجرد مرور الوقت أو بناءً على شهادات لا تستند إلى تحقق قانوني. ويوضح المحامي الشرعي والباحث القانوني سفيان صيام أن المادة 119 من قانون حقوق العائلة المصري المطبق في قطاع غزة تنظم مسألة الحكم بوفاة المفقود، وتنص، وفق شرحه، على أن المفقود الذي يغلب عليه الموت يُحكم بوفاته بعد أربع سنوات من تاريخ فقده، مع وجود أحكام خاصة بالمفقود في ظروف الحرب، وترك بعض الحالات لتقدير القاضي بعد التحري بالوسائل الممكنة لمعرفة ما إذا كان الشخص حيًا أم ميتًا.

ويشير صيام إلى أن مجلس القضاء الشرعي أصدر تعميمًا كان يسمح باللجوء إلى القضاء في بعض حالات الفقد بعد مرور ستة أشهر، اعتبارًا من 25 أكتوبر/تشرين الأول 2025م، قبل أن يُلغى التعميم لاحقًا.

باحث قانوني: لا تصدر شهادة وفاة من دون إثبات طبي أو قضائي.

ويؤكد صيام أن إثبات الوفاة يخضع لإجراءات قانونية، قائلًا: "لا يوجد شيء اسمه إصدار شهادة وفاة من دون إثبات طبي أو قضائي".

ويضيف: "إصدار شهادة وفاة من دون استيفاء المتطلبات القانونية، إذا ثبت وقوعه، يمثل تجاوزًا للإجراءات، ومن يتعمد تقديم معلومات غير صحيحة بقصد الحصول على شهادة وفاة قد يتحمل مسؤولية شرعية وقانونية".

وفي هذا السياق، وبالعودة إلى الشيخ عمر نوفل، فإن لجنة للوفيات تضم ممثلين عن القضاء والنيابة العامة والدفاع المدني ووزارة الصحة والمباحث الجنائية، تتولى فحص الأدلة والتحري في طلبات ذوي المفقودين إثبات وفاتهم.

ويقول نوفل: "إذا أثبتت الأدلة أن الشخص توفي تحت الركام، أو شاهده أشخاص متوفى من دون أن تتمكن أسرته من الوصول إلى جثمانه، يمكن للجنة إصدار شهادة وفاة".

ويكمل: "اللجنة أصدرت 15.500 شهادة وفاة لحالات كانت في عداد المفقودين، فيما رفضت 500 طلب لعدم اكتمال الأوراق أو عدم صحة الأدلة المقدمة.

وبحسب نوفل، لا تقوم الإجراءات الرسمية على شهادة شاهدين وحدها، بل على فحص الأدلة والتحقيق والتحري.

"القانون يتيح، في الظروف الطبيعية، رفع دعوى لإثبات وفاة المفقود بعد أربع سنوات، بينما يمكن في حالات الحرب التقدم بطلب إثبات الوفاة بعد مرور سنة على انتهاء الحرب".

ويوضح أن القانون يتيح، في الظروف الطبيعية، رفع دعوى لإثبات وفاة المفقود بعد أربع سنوات، بينما يمكن في حالات الحرب التقدم بطلب إثبات الوفاة بعد مرور سنة على انتهاء الحرب وعودة الأسرى.

وتكشف هذه الإجراءات عن فارق جوهري بين الشهادات التي تحدثت عنها بعض النساء في التحقيق، وبين المسار الرسمي الذي يصفه رئيس اللجنة، فإثبات الوفاة ليس إجراءً شكليًا، ولا يكفي فيه الاشتباه أو الرغبة في تغيير الصفة الاجتماعية للمفقود، بل يتطلب أدلة تخضع للفحص والتحقق.

بين الحاجة والحكم الشرعي

من الناحية الشرعية، يشرح أستاذ الفقه المقارن في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية في غزة، الدكتور ماهر السوسي، أن المفقود هو الشخص الذي لا يُعرف إن كان حيًا أم ميتًا، وأن الفقهاء اختلفوا في المدة التي يمكن بعدها الحكم بوفاته.

ويقول السوسي: "ظروف غزة تجعل تحديد مصير المفقود أكثر تعقيدًا، بسبب الأنقاض واختفاء الجثامين وصعوبة الوصول إلى المعلومات"، مشيرًا إلى أن كل حالة ينبغي أن تُعرض على القضاء للنظر في ظروفها، بما في ذلك وقت الفقد وآخر مكان شوهد فيه الشخص.

الشرع: استخراج أوراق رسمية تثبت الوفاة بطرق تحايلية يُعدّ غشًا وشهادة زور.

أما استخراج أوراق رسمية تثبت الوفاة من دون اللجوء إلى القضاء أو من دون تحقق حقيقي، فيعتبره السوسي غشًا وشهادة زور، حتى لو كان الدافع إطعام الأطفال.

وبين الحاجة إلى إعالة الأطفال والالتزام بالإجراءات القانونية والشرعية، تجد بعض النساء أنفسهن أمام خيارات لا ينبغي أن يُتركن لمواجهتها وحدهن، فمسؤولية حماية الأسرة من الجوع لا يمكن أن تتحول إلى عبء إضافي على امرأة فقدت معيلها، ولا إلى مبرر لتجاوز إجراءات إثبات الوفاة.

أين وزارة التنمية الاجتماعية؟

في فبراير/شباط 2026م، أُنشئت اللجنة الحكومية لمتابعة ملف المفقودين، وفق ما أفاد به الشيخ عمر نوفل. ويقول: "هناك جهودٌ لمعالجة أوضاع أسرهم، وبعض هذه الأسر استفادت من مساعدات وزارة التنمية الاجتماعية، كما أُرسلت أسماء عدد منها إلى مؤسسات أهلية لتقديم مساعدات مالية وعينية".

لكن هذه الجهود لا تعني أن أسر المفقودين أصبحت معتمدة رسميًا أسوة بأسر الشهداء في برامج المساعدات. وتؤكد عزيزة الكحلوت، المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، أن ملف المفقودين مستقل عن بقية الملفات التي تديرها الوزارة.

وتقول: "لم تعتمد الوزارة حتى الآن زوجات المفقودين أسوة بزوجات الشهداء في ملف المساعدات، وما زلنا نتعامل معهن بصفتهن زوجات وأبناء مفقودين".

التنمية الاجتماعية: لم نعتمد حتى الآن أسر المفقودين أسوة بأسر الشهداء.

وبذلك، لا تزال الفجوة قائمة بين ما تحتاجه هذه الأسر بصورة عاجلة، وبين الصفة التي تعتمدها الجهات الرسمية والمؤسسات في تحديد المستفيدين من برامجها، كما أن الإشارة إلى استفادة بعض الأسر من مساعدات متفرقة لا تجيب عن سؤال استحقاقها المنتظم، ولا عن المعايير التي تحدد من يحصل على المساعدة ومتى.

لا تتوافر لدى معدّ التحقيق أدلة تثبت أن مؤسسات الإغاثة تعمدت مطالبة النساء بتزوير شهادات وفاة، لكن شهادات النساء، إلى جانب إفادات مسؤولي بعض المؤسسات ومخيمات الأيتام، تكشف أن اشتراط إثبات الوفاة في بعض برامج الكفالة يترك أسر المفقودين أمام خيارات قاسية، فبينما تستطيع زوجة الشهيد، متى استوفت الشروط، دخول بعض برامج الرعاية، قد تبقى زوجة المفقود خارجها، رغم أن غياب المعيل واحتياجات الأطفال لا يقلان إلحاحًا.

ولا يتعلق الأمر بالمفاضلة بين أسر الشهداء وأسر المفقودين، ولا بحرمان الأولى من حقوقها، بل بضرورة ألا تتحول إجراءات تصنيف المستفيدين إلى حاجز يحول دون وصول المساعدة إلى أسرة محتاجة.

فالمرأة التي تعيل أطفالها في غياب زوجها لا ينبغي أن يتوقف حقها في الدعم على قدرتها على إثبات موته، والطفل الذي يحتاج إلى الطعام اليوم لا يستطيع تعليق حقه في الحياة على ورقة تحسم مصير أبيه.

كاريكاتـــــير