شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 06 سبتمبر 2026م13:32 بتوقيت القدس

نساءٌ حمَلنَ في الحرب "غزّة".. هل يُقصين عن طاولة التعافي؟

06 سبتمبر 2026 - 12:44

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم تكن الحرب بالنسبة لأميرة أبو مطير مجرد رحلة نزوح أخرى، بل تحولًا كاملًا في موقعها داخل أسرتها.

كأرملة ومعيلة، وجدت نفسها تدير ما تيسر من الطعام والماء، وتحرس أطفالها، وتبحث عن وسائل للبقاء في مراكز الإيواء والخيام، فيما اضطرت إلى أداء أعمال لم تكن تتخيل أنها ستقوم بها يومًا.

تقول لـ"نوى": "أصبحتُ أحمل مسؤوليات الأب والأم معًا، فنحن النساء خلال تجربة النزوح المريرة لم نواجه نقص الغذاء والماء فقط، بل فقدنا أيضًا جزءًا كبيرًا من خصوصيتنا، واضطررنا إلى التعامل مع ضغوط وعنف ومنافسة قاسية على الاحتياجات الأساسية".

ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء بغزة من 12% قبل الحرب إلى 18% خلالها، فيما أُجبرت نحو مليون امرأة وفتاة على النزوح منذ أكتوبر 2023م.

هذه التجربة ليست معزولة عن واقع أوسع، فقد ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء في قطاع غزة من 12% قبل الحرب إلى 18% خلالها، فيما أُجبرت نحو مليون امرأة وفتاة على النزوح منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023م، وفق هيئة الأمم المتحدة للمرأة.

أما وصال أبو حطب، معلمة اللغة الإنجليزية التي تعمل حاليًا في فرن بدائي إلى جانب تدريس مجموعات تعليمية، فتعيد تعريف معنى الدخل نفسه بقولها: "إن الراتب المنتظم الذي كان يسمح لي بتنظيم مصروف الأسرة واختزان جزء منه للطوارئ اختفى، وحلت مكانه شواكل معدودة بالكاد تغطي الاحتياجات اليومية".

لكن النساء لم يكتفين بإدارة تبعات الحرب داخل أسرهن، ففي مراكز الإيواء والمجتمع المحلي، انتقلت كثيرات منهن إلى الصفوف الأمامية للاستجابة، وحملن أدوارًا تتجاوز مجرد توفير الاحتياجات اليومية إلى تقديم الخدمات التي أبقت قطاعات واسعة من المجتمع قادرة على الصمود.

تقول سلمى المدلل، مديرة أحد مراكز الإيواء في غزة: "إن المعلمات والطبيبات والممرضات ومديرات مراكز الإيواء والمنظمات النسوية كن جزءًا أساسيًا من العمل الميداني، إلى جانب الدور الذي لعبته النساء داخل أسرهن في إدارة الأزمة وتأمين الطعام والاحتياجات اليومية".

غير أن المدلل ترى أن هذه المشاركة ظلت في جانب كبير منها "تنفيذية"، بينما بقي القرار النهائي بعيدًا عن النساء.

وتضيف: "المرأة والمنظمات النسوية عناصر فاعلة ومحورية في تنفيذ الاستجابة الميدانية، لكن حضورهن لا يوازي ذلك في مواقع اتخاذ القرار"، محذرة من أن خطط التعافي قد تفشل إذا لم تشارك النساء في صياغتها وتحديد أولوياتها.

وتعكس المؤشرات الرسمية جانبًا من هذه الفجوة، فبحسب هيئة الأمم المتحدة للمرأة، واصلت 83% من المنظمات النسوية في غزة عملها، ولو جزئيًا، خلال الحرب، في حين لم تحصل المنظمات الوطنية والمحلية لحقوق المرأة إلا على 0.09% من إجمالي تمويل النداء العاجل لعام 2023م.

الغنيمي: "فيما يتعلق بتمويل المؤسسات النسوية لا شك إنها أقل كثيرًا من تمويل مؤسسات أخرى تقدم الإغاثة الغذائية أو الخدمات الصحية".

وتنوه زينب الغنيمي، مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية وحماية المرأة، إلى أن بعض المؤسسات النسوية نجحت خلال الحرب في توسيع شراكاتها وزيادة حجم التمويل الذي تحصل عليه، لكنها تؤكد أن الصورة العامة مختلفة، "فيما يتعلق بتمويل المؤسسات النسوية لا شك إنها أقل كثيرًا من تمويل مؤسسات أخرى تقدم الإغاثة الغذائية أو الخدمات الصحية".

ولا ترى الغنيمي أن المشكلة تتعلق بحجم الأموال وحده، فالمشاريع المقدمة للمؤسسات النسوية تتسم غالبًا بأنها قصيرة المدى وتركز على الجانب الإغاثي، فيما لا تراعي بعض شروط التمويل كلفة العمل الفعلية في غزة. علاوة على تحديات أخرى، مثل تحديد سقف المصاريف الإدارية الذي قد لا يتجاوز 7%، في وقت ارتفعت فيه كلفة المواصلات والكهرباء والاتصالات، فضلًا عن حاجة المشاريع التي تقدم الدعم النفسي أو القانوني إلى أعداد كافية من الموظفات.

وتضيف: "المؤسسات النسوية حاولت طرح رؤى ومقترحات بشأن مرحلة الإعمار، لكنها لم تجد نفسها على طاولة النقاش"، مما يشير إلى حصر موقع النساء والمؤسسات النسوية ضمن منظومة العمل الإنساني في مرحلة التنفيذ، دون إشراك حقيقي في مختلف مراحل تصميم الخطط والتدخلات وتقريرها وقيادتها وتقييمها.

وهنا لا تبدو مشاركة النساء في مرحلة التعافي امتيازًا يُمنح لهن، بقدر ما تبدو ضرورة تفرضها خبرتهن التي تشكلت في قلب الأزمة، فالنساء اللواتي حملن عبء النجاة اليومية، وأدرن مراكز الإيواء، ووفرن الدعم النفسي والقانوني والحماية، يمتلكن معرفة مباشرة بالاحتياجات التي سيواجهها المجتمع في مرحلة التعافي، وبالفجوات التي لم تستطع الاستجابة الإنسانية سدها.

غير أن تحويل هذه المعرفة إلى قرارات لا يتوقف عند الاعتراف بدور النساء في الاستجابة، بل يحتاج إلى إشراكهن في تحديد الأولويات، وتوجيه الموارد، وتصميم برامج التعافي، بما ينسجم مع ما أقره مجلس الأمن في القرارين (1325) و(2493) بشأن المشاركة الكاملة والفاعلة للنساء في صنع القرار خلال النزاعات وما بعدها.

في غزة، المرأة التي أمضت سنوات الحرب وهي تدير ما تبقى من بيتها، وتحرس أطفالها، وتبحث عن الماء والطعام، وتعمل، وتعلّم، وتقدم الدعم والحماية للنازحين، ليست مجرد مستفيدة من خطط التعافي، بل هي واحدة من أكثر من يعرفون ما الذي يحتاجه المجتمع كي يستعيد شيئًا من عافيته، ومن هنا، فإن إبعاد النساء عن طاولة القرار لا يعني فقط إقصاء نصف المجتمع، بل خسارة جزء أساسي من المعرفة والخبرة اللازمة لترميم ما خلّفته الإبادة.

كاريكاتـــــير