غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يضع شوقي حجازي مفتاح بيته في يده، يقلبه بين أصابعه، ثم يعيده إلى جيبه. لم يعد لهذا المفتاح باب يفتحه، فالبيت الذي ظل حجازي يبنيه لعقود لم يعد هو الذي أنفق عليه عمره كله. رغم ذلك، رفض التخلي عن مفتاحه.
يقول الرجل البالغ من العمر (64 عامًا): "عندما خرجنا من البيت، لم نكن نعرف ماذا سيحدث. كان علينا أن نتحرك بسرعة، وكل شخص أخذ ما استطاع حمله، وأنا أخذت المفتاح معي دون تفكير طويل".
بالنسبة إليه، لم يكن المفتاح الذي حمله معه نازحًا مجرد أداة للدخول والخروج، كان جزءًا يحمله معه من حياةٍ يحبها.. تلك الحياة التي ربما لن تعود.
"ما زلت أحتفظ به. أحيانًا أنظر إليه وأفكر: هل سأعيش لوقتٍ أستطيع أن أفتح به بيتي من جديد؟".
يضيف: "البيت بالنسبة إليّ ليس جدرانًا فقط. فيه سنوات من حياتي، وفيه ذكريات عشتها مع عائلتي. لذلك عندما أضع المفتاح في يدي أتذكر البيت كما كان، وليس كما أصبح".
شبكة نوى، فلسطينيات: ثم يكمل: "الآن لا أستطيع استخدامه، لأن الباب لم يعد كما كان، لكنني ما زلت أحتفظ به. أحيانًا أنظر إليه وأفكر: هل سأعيش لوقتٍ أستطيع أن أفتح به بيتي من جديد بهذا المفتاح؟ لا أعرف".
وليست حكاية حجازي استثناءً في غزة، فخلال موجات النزوح المتكررة، خرجت العائلات من بيوتها على عجل، وانتقلت من حي إلى آخر، ومن منزل إلى مدرسة، ومن مركز إيواء إلى خيمة أو مأوى مؤقت، ومع كل انتقال، لم يكن هناك متسع لحمل الكثير. أشياء قليلة اختارها أصحابها لأنها ضرورية، أو لأنها تمثل شيئًا لا يمكن تركه وراءهم، وعشرات الآلاف أخذوا "مفاتيح بيوتهم".
مفاتيح بلا أبواب!
داخل محل صغير تتكدس على رفوفه الأقفال والمفاتيح المعدنية، يواصل سميح عاشور (58 عامًا) عمله. يمسك قطعة معدنية، يقيسها، يثبتها في آلة القطع، ثم يحولها خلال دقائق إلى مفتاح جديد.
يقول: "الناس لم تعد تأتي كما كانت، بعضهم يطلب مفتاحًا لمكان مؤقت، وآخر يأتي بقفل أو قطعة من باب، بعدما تحولت البيوت والأحياء إلى مساحات متغيرة بفعل الدمار والنزوح".
طوال سنوات عمله، ارتبطت مهنة عاشور بالأبواب المستقرة: بيت، محل، سيارة، ومفتاح إضافي لأحد أفراد الأسرة، أما اليوم، فقد أصبح بعض ما يصنعه مرتبطًا بأماكن لا يُعرف كم ستدوم.
"رغم كل الظروف، بقيت الحاجة إلى المفتاح حاضرة. فالإنسان، حتى في أقسى ظروفه، يريد أن يغلق شيئًا ويحميه".
ويضيف: "رغم كل الظروف، بقيت الحاجة إلى المفتاح حاضرة. فالإنسان، حتى في أقسى ظروفه، يريد أن يغلق شيئًا ويحميه، ولو كان صندوقًا أو خزانة أو مساحة صغيرة يعيش فيها".
لكن المفارقة التي يلمسها عاشور كل يوم هي أن المفتاح، الذي كان علامة على امتلاك مكان والقدرة على العودة إليه، صار في بعض الحالات مرتبطًا بمكان مؤقت لا يعرف صاحبه إلى متى سيبقى فيه.
ويكمل: "عندما يأتيك شخص ليصنع مفتاحًا لبيته، تعرف أنه يملك مكانًا يعود إليه. أما عندما يأتيك نازح ويطلب مفتاحًا لباب خيمة، تشعر أن معنى المفتاح نفسه تغير".

وفي ميناء غزة، يعيش سميح حسونة (68 عامًا) داخل خيمة، ويحتفظ بمفتاح لا يفتح منزلًا، بل يغلق مكانًا مؤقتًا يحاول أن يحمي داخله ما تبقى من مقتنياته.
يقول: "لم أكن أفكر قبل الحرب أنني سأحتاج إلى مفتاح للخيمة. كنت أملك بيتًا وبابًا ومفاتيح متعددة، أما الآن لدي مفتاح لمكان مؤقت، ولا أعرف إلى متى سيبقى هذا المكان".
ولا يخفي حسونة وراء المفتاح أشياء كثيرة.. بعض الملابس، وأوراق، وصور، وأغراض شخصية، "لكنها، بعد فقدان الكثير، أصبحت بالنسبة إليه جديرة بالحماية" يضيف.
ويستعيد الفرق بين مفتاحه القديم والجديد: "كان المفتاح القديم يعني أنني أملك بيتًا أعود إليه، أما هذا المفتاح فيعني أن لدي مكانًا مؤقتًا أحاول حمايته. الفرق كبير، لكنني ما زلت أحتاج إلى المفتاح للسبب نفسه، أريد أن أشعر أن هناك شيئًا أستطيع إغلاقه علي".
"في الحالتين، غادر الفلسطيني بيته قسرًا وهو يحمل مفتاحه، متمسكًا بفكرة العودة، لكن مفتاح اليوم قد يفتح بابًا لم يعد قائمًا".
غير أن معنى المفتاح في الذاكرة الفلسطينية لم يبدأ مع الحرب الحالية، إذ يقول أ.د. رياض شاهين، أستاذ التاريخ ورئيس مركز التاريخ الشفوي والتراث الفلسطيني بالجامعة الإسلامية بغزة: "إن المقارنة بين مفاتيح البيوت التي حملها الفلسطينيون خلال نكبة 1948 والمفاتيح التي يحملها النازحون في غزة اليوم ممكنة. ففي الحالتين، غادر الفلسطيني بيته قسرًا وهو يحمل مفتاحه، متمسكًا بفكرة العودة، لكن مفتاح اليوم قد يفتح بابًا لم يعد قائمًا، بعدما تحول البيت إلى ركام".
ويشير إلى أن ظهور المفتاح داخل الخيمة يضيف طبقة جديدة إلى هذه الدلالة، متابعًا: "ارتبط المفتاح بنكبة 1948 بصورة طبيعية، بعدما حمل كثير من الفلسطينيين مفاتيح منازلهم ظنًا أن الرحيل مؤقت، قبل أن يتحول المفتاح، مع مرور العقود، من أداة لفتح الباب إلى شاهد مادي على بيت حُرم أصحابه منه. ومن هنا اكتسب دلالته الوطنية، فأصبح يجمع بين الذاكرة والملكية والاقتلاع والتمسك بحق العودة".
ويضيف شاهين: "استمرار العائلات الفلسطينية في الاحتفاظ بالمفاتيح وتوريثها للأبناء والأحفاد يعود إلى كونها "وثيقة ذاكرة" تختزن قصة البيت والقرية والأسرة"، منبهًا إلى أن المفتاح يفتح باب الرواية الشفوية، ومن خلاله تنتقل تفاصيل الأماكن والأحياء والمنازل من جيل إلى آخر، ليصبح إرثًا رمزيًا يجعل المكان الغائب حاضرًا في وعي الأجيال".
كما أسهم الأدب والفن والرواية الشفوية والفعاليات الوطنية في تحويل المفتاح من ذاكرة عائلية إلى رمز للنكبة والعودة، "لكن الحرب الحالية أضافت إلى الرمز تجربة أخرى: جيل جديد يغادر بيوتًا لم يعد يعرف إن كان سيعود إليها، ويحمل مفاتيح لأبواب قد تكون قائمة، أو متضررة، أو لم يعد لها وجود".
ووفق شاهين، فإن "قوة المفتاح تكمن في جمعه بين الوثيقة والذاكرة والرمز. فهو أثر مادي لبيت، ووعاء لحكاية عائلة، وتعبير عن التمسك بالمكان ورفض أن يتحول النزوح القسري إلى اقتلاع دائم".
تضررت أكثر من 371,888 وحدة سكنية في غزة خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع، وفق التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات (RDNA).
ودُمرت أو تضررت أكثر من 371,888 وحدة سكنية في غزة خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة على القطاع، وفق التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات (RDNA) الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي في أبريل/نيسان 2026م.
ونزح نحو 1.9 مليون شخص داخل قطاع غزة، وكثير منهم نزحوا أكثر من مرة، فيما يشير التقييم نفسه إلى أن أكثر من 60% من سكان غزة فقدوا منازلهم.
وبلغت الأضرار المادية الإجمالية في غزة نحو 35.2 مليار دولار، وفق التقييم نفسه، فيما قُدرت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار، واحتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات.
لكن حجم الخسارة لا يظهر فقط في عدد المنازل المدمرة، فوفق برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، أصبحت أكثر من 95% من أحياء غزة ذات وظائف حضرية منخفضة أو منخفضة جدًا أو شبه معدومة، أي أن أثر الحرب امتد من الجدران التي تؤوي الناس إلى المدينة التي كانت تنظم حياتهم.
في مارس/آذار 2026، قدرت (OCHA) أن نحو 1.7 مليون شخص كانوا يقيمون في حوالي 1,600 موقع نزوح، وسط اكتظاظ ومشكلات في المياه والصرف الصحي.
وفي مارس/آذار 2026، قدرت (OCHA) أن نحو 1.7 مليون شخص كانوا يقيمون في حوالي 1,600 موقع نزوح، وسط اكتظاظ ومشكلات في المياه والصرف الصحي ونقص في الاحتياجات الأساسية.
وفي مكان ما من هذه المواقع، قد يكون هناك مفتاح لخيمة، أو مفتاح لصندوق، أو مفتاح لبيت لم يعد صاحبه يعرف إن كان سيعود إليه، وهنا تتقاطع حكاية غزة الجديدة مع الذاكرة الفلسطينية الأقدم.. مفتاح يُحمل لأن صاحبه لا يريد أن يصدق أن حكايته مع المكان انتهت.























