شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 06 اكتوبر 2026م01:43 بتوقيت القدس

جرحى غزة في الغربة.. النجاة حربٌ أخرى

05 اكتوبر 2026 - 14:15

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في خيمة ألقى عليها النزوح ظلاله القاسية بمواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، قلبت قذيفة حياة عائلة الطفل أحمد محمد النحال (15 عامًا)، الذي كان يعيش حياة بسيطة وآمنة في مدينة رفح.

لم تكن الخيمة سوى ملاذًا مؤقتًا، لكنها تحولت في لحظات إلى مسرح لمأساة استشهد فيها والده، وأصيب أحمد بجروح بالغة في وجهه، أدت إلى تهتك فكه وتحطم أسنانه.

منذ ذلك اليوم، بدأت رحلة أخرى من المعاناة، عنوانها العلاج الطويل، وتكاليفه، والغربة التي وجد نفسه فيها بعيدًا عن أسرته.

"أُجلي ابني إلى الأردن لمتابعة علاجه، فظننتُ أن وصوله سيكون بداية طريق التعافي. لكننا وجدنا نفسينا أمام واقع جديد، يفتقر إلى الدعم الذي يخفف عنا أعباء المعيشة والعلاج".

تجلس أم محمد إلى جواره، تمسك بيده التي لم تعد تقوى على حمل أعباء بيت فقد معيله الوحيد. تتحدث عن خمسة أبناء باتوا بلا مصدر رزق أو سند، فيما تتابع هي رحلة علاج أحمد خارج غزة، وتحاول في الوقت نفسه أن تسند عائلتها التي بقيت خلفها.

تقول والدة أحمد لـ"نوى": "أُجلي ابني إلى الأردن لمتابعة علاجه، فظننتُ أن وصوله سيكون بداية طريق التعافي. لكننا وجدنا نفسينا أمام واقع جديد، يفتقر إلى الدعم الذي يخفف عنا أعباء المعيشة والعلاج، في وقت لا تجد فيه العائلة داخل غزة من يعيلها".

وتضيف: "لا يستطيع أحمد أن يأكل أو يشرب كباقي البشر، وعلاجه بالغ الصعوبة والكلفة، بينما لا تزال أمامه عمليات جراحية معقدة في الفك والوجه، لم يُجرَ أي منها حتى الآن".

ولا تتوقف المأساة -وفقًا لها- عند الإصابة، فمع كل خطوة في رحلة العلاج، تحضر كلفة أخرى لا تقل وطأة: الطعام، والسكن، والأدوية، واحتياجات المرافق، في وقت خرجت فيه الأسرة أصلًا من الحرب وهي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

أما سارة، الطفلة البالغة من العمر ستة أعوام، فلم تمهلها إصابتها حتى تستعيد بصرها. داخل خيمتها في منطقة أصداء بمدينة خان يونس، اخترقت رصاصة أطلقتها طائرة مسيرة من نوع "كواد كابتر" رأسها، فأصيبت في عصب العين، قبل أن تغادر إلى الأردن للعلاج، محمولة على أمل أن تتمكن من استعادة ما فقدته.

لكن رحلة العلاج لم تكتمل. يقول والدها لـ"نوى": "مضاعفات إصابتها كانت أقوى من محاولات الأطباء لإنقاذ حياتها، لترتقي شهيدة بعيدًا عن أرضها".

يضيف: "عادت محمولة على الأكتاف بدلًا من أن تعود وهي تبصر النور".

وتتقاطع قصة أحمد وسارة مع قصص جرحى آخرين خرجوا من غزة للعلاج، ثم وجدوا أنفسهم أمام أعباء تتجاوز حدود المستشفى.

"خرجنا بالثياب التي علينا"، من دون أي مقومات مادية تساعد على مواجهة متطلبات الحياة اليومية.

من بينهم عبد سالم (57 عامًا)، الذي وصل إلى مصر لتلقي العلاج، لكنه واجه صعوبة حتى في تأمين الأدوية التي يحتاج إليها، واضطر إلى البحث عن ثمنها بعيدًا عن المستشفيات.

يقول: "خرجنا بالثياب التي علينا"، من دون أي مقومات مادية تساعد على مواجهة متطلبات الحياة اليومية، ليفاجأوا بأن أشكال الدعم الطبي المتاحة تغطي جوانب محددة من احتياجاتهم داخل المستشفيات.

ويضيف: "في حين تقع تكاليف الأدوية غير المتوفرة، والمستلزمات المعيشية، وسكن المرافقين، على عاتق عائلات خرجت أساسًا من تحت الركام، بلا مأوى ولا مصدر رزق".

خارج غرف العلاج تبدأ قائمة أخرى من الاحتياجات التي لا يغطيها العلاج الطبي نفسه، وتتحملها أسر أنهكتها الحرب أصلًا، وفقد كثير منها مصادر دخله ومسكنه ومعيله.

وهكذا لا تنتهي رحلة الجريح عند عبور الحدود أو دخوله المستشفى، فخارج غرف العلاج تبدأ قائمة أخرى من الاحتياجات التي لا يغطيها العلاج الطبي نفسه، وتتحملها أسر أنهكتها الحرب أصلًا، وفقد كثير منها مصادر دخله ومسكنه ومعيله.

وتجسد هذه القصص جانبًا من أزمة أوسع يعيشها المرضى والجرحى الذين يتم إجلاؤهم للعلاج خارج قطاع غزة، في ظل استمرار الحاجة إلى خدمات طبية تخصصية لا تتوافر داخل القطاع.

وتشير البيانات الطبية إلى وجود أكثر من 21 ألف مريض وجريح من قطاع غزة بحاجة ماسة إلى الإجلاء الطبي والتخصصي خارج القطاع.

وتشمل هذه الحالات نحو 10 آلاف جريح يحتاجون إلى عمليات جراحية معقدة وتخصصية في العظام والوجه والمخ والأعصاب، إضافة إلى نحو 4 آلاف مريض سرطان بحاجة إلى رعاية طارئة.

كاريكاتـــــير