غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
قبل أن تصير جدرانه إحدى شهود الإبادة، كان مركز رشاد الشوا أحد الأماكن التي تعرف غزة نفسها من خلالها.
هنا وقف ممثلون على خشبة المسرح، واحتفل كتّاب بإصداراتهم، وقرأ آخرون في مكتبة ضمّت عشرات الآلاف من الكتب والوثائق، فيما اجتمع الفنانون والمثقفون في ندوات ومعارض وفعاليات صنعت، على امتداد سنوات، جزءًا من المشهد الثقافي للمدينة.
لذلك، حين ينظر الفنان والممثل والكاتب المسرحي سعيد البيطار اليوم إلى المركز مدمرًا ومحترقًا، لا يرى مبنى فقد قاعاته فقط، بل يرى مكانًا ارتبط بمرحلة كاملة من حياته وحياة الحركة المسرحية في غزة.
يحاول البيطار حبس دموعه أمام المشهد. يصعب عليه استيعاب أن المكان الذي كان بيتًا للفن صار يحمل آثار الدمار.
يخبرنا البيطار أنه يحاول حبس دموعه كل مرةٍ أمام المشهد، إذ يصعب عليه استيعاب أن المكان الذي كان يستقبل الفنانين والفرق المسرحية، ويمنحهم مساحة لعرض أعمالهم، أصبح يحمل آثار الدمار.
تعود إحدى أكثر ذكريات البيطار رسوخًا إلى الأيام الأولى لافتتاح المركز، حين قدّمت فرقته أول مسرحية تُعرض فيه، واستمر عرضها نحو عشرين يومًا، وسط حضور وتفاعل من الجمهور.
لم يكن افتتاح المسرحية بالنسبة إليه حدثًا فنيًا منفصلًا عن افتتاح المركز، إذ اجتمعت في تلك اللحظة فرحتان، كما يستعيدها اليوم: فرحة تقديم العمل المسرحي، وفرحة افتتاح مساحة جديدة للفن والثقافة في غزة.
كان المركز آنذاك يفتح أبوابه أمام تجربة ثقافية آخذة في الاتساع، ولم يكن المسرح سوى أحد الأبواب التي دخل منها الفنانون إلى المكان.
ففي القاعات والأروقة، تعددت أشكال النشاط الثقافي، من العروض المسرحية والحفلات الموسيقية إلى الندوات والمعارض الفنية والتدريبات، لتتسع وظيفة المركز تدريجيًا من مبنى يحتضن الفعاليات إلى مساحة تجمع فئات مختلفة من الحياة الثقافية في المدينة.
ومن بين أكثر ما منح المركز خصوصيته، كانت مكتبة دانيا كمال صباغ، التي ضمت أكثر من خمسين ألف كتاب ووثيقة في مجالات مختلفة، بينها التاريخ والأدب والثقافة، وفق رائد الوحيدي، رئيس قسم المكتبات في بلدية غزة.
لم تكن المكتبة مجرد مكان لحفظ الكتب، فقد تحولت إلى مساحة للقاء أيضًا. فيها أقيمت حفلات توقيع لإصدارات كتّاب فلسطينيين، واستضافت تدريبات ولقاءات جمعت صحفيين وكتّابًا ومهتمين بالشأن الثقافي.
ولهذا يصف الوحيدي المكتبة بأنها واحدة من أبرز المعالم الثقافية داخل مركز رشاد الشوا، لما مثلته من مساحة للقراءة والكتابة والتواصل الثقافي.
وبقدر ما حفظت الكتب والوثائق جزءًا من المعرفة، كانت القاعات تحفظ جانبًا آخر من ذاكرة المدينة.. وجوهًا وأصواتًا وعروضًا ولقاءات يصعب فصلها عن المكان الذي احتضنها.
ومع قدوم السلطة الفلسطينية عام 1994م، اتسعت وظيفة مركز رشاد الشوا أكثر، وفق الباحث في العمل الثقافي والسياسي محمود روقة، ليصبح واحدًا من أبرز الأماكن التي تجمع الفنانين والمثقفين والكتّاب في غزة.
ضم المركز مسرحًا وقاعات للمؤتمرات والندوات الثقافية، وأخرى للمعارض الفنية التشكيلية، كما استضاف تدريبات في المسرح والغناء، وحفلات موسيقية وفعاليات ثقافية ووطنية متعددة.
ومن أبرز المحطات التي شهدها المركز، جلسة للمجلس الوطني الفلسطيني عُقدت عام 1998، بحضور الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون.
كان الحدث واحدًا من الوقائع التي أضافت إلى ذاكرة المكان بعدًا سياسيًا ووطنيًا، إلى جانب ما راكمته فيه سنوات النشاط الثقافي والفني. وبذلك، صار المركز جزءًا من ذاكرة المدينة بأكثر من معنى: مكانًا للفن، وملتقى للثقافة، وفضاءً احتضن محطات من تاريخها الوطني والسياسي.
ثم جاءت حرب الإبادة عام 2023م، فطال الدمار المركز وقاعاته، ولم يبقَ المكان على الصورة التي عرفها الفنانون والكتّاب ورواد المكتبة، إلا أن علاقة المركز بفعل التعبير أخذ شكلًا آخر، ففي ساحاته الخارجية، نصبت خيام للصحفيين الذين فقدوا مقراتهم ومؤسساتهم، فتحول المكان مرة أخرى إلى مساحة للعمل الإعلامي، تستقبل صحفيين يحملون كاميراتهم وأجهزة التسجيل، ويوثقون ما يجري في مدينة تتغير ملامحها تحت الحرب.
خسارة مركز رشاد الشوا، لا يمكن أن تُختصر في مبنى تضررت جدرانه وقاعاته.. بل في دمارٍ طال مكانًا تراكمت فيه -على مدى سنوات- طبقات من ذاكرة غزة الثقافية والوطنية: ذاكرة المسرح والكتاب والفن واللقاءات، ثم ذاكرة الصحفيين الذين وجدوا فيه، حتى في زمن الإبادة، مساحة لمواصلة العمل.
























