غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في قلب المخيم القطري بمواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، وقف يوسف حسن، ذو الستة أعوام، ينتظر بشوق لحظة انطلاق "الألعاب الترفيهية" التي حملها إليهم "باص الأحلام".
ثلاث سنوات من الحرب كانت كافية لأن تنتزع من يوسف طفولته، وأن تُحمله أهوالًا أكبر من عمره، وتحرمه أبسط حقوقه: اللعب، والرسم، ومشاهدة التلفاز، وسماع الحكايات.
ما إن دخل يوسف المساحة الترفيهية، حتى اتسعت عيناه أمام زواياها المتعددة. بدا كأنه يرى عالمًا جديدًا، أو كأن الألعاب أعادته فجأة إلى طفولة لم يجد وقتًا ليعيشها.
ثلاث سنوات كانت كافية لأن تنتزع من يوسف طفولته، وتحرمه أبسط حقوقه: اللعب، والرسم، ومشاهدة التلفاز، وسماع الحكايات.
جذبته الشاشة أولًا، فالتفت إلى أقرانه قائلًا: "اصمتوا"، لنشاهد ما تعرضه شاشة التلفاز، ثم نذهب ونمارس الألعاب الأخرى ونرسم.
عند الساعة الحادية عشرة، بدأ منشطو "باص الأحلام"، الذي تشرف عليه جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، بتفعيل زوايا المساحة الترفيهية، في محاولة للتخفيف من الضغوط النفسية التي لا يزال الأطفال يعيشون آثارها.
كان يوسف يركض من زاوية إلى أخرى، تارة نحو الرسم، وتارة لمشاهدة الأنمي، ثم إلى الحكواتي، قبل أن يستقر أخيرًا عند الأشغال اليدوية.
وبينما كان ينتقل بينها، كانت الفرحة ترسم نفسها على وجهه، وتصل ضحكاته إلى مسافة بعيدة. يضيف: "إلنا 3 سنين ما لعبنا أو رسمنا، أو تفرجنا على التلفزيون. إحنا كتير مبسوطين هان".

وعلى مقربة منه، كانت أفنان أبو لبدة، ذات التسعة أعوام، تحدق في الشاشة كما لو أنها عثرت على شيء من بيتها القديم. تذكرت التلفاز الذي تركته في منزلها بمدينة رفح، جنوبي القطاع، قبل أن يجبرها الاحتلال وعائلتها على النزوح قسرًا إلى خان يونس.
تأملت الشاشة وقالت: "يا الله، إلنا سنتين ما شفنا التلفزيون ولا تفرجنا على ماشا والدب والقط والفار".
أما ليان موسى، فكان حنينها مختلفًا.. إلى الورقة والقلم والألوان. تركت أقلامها وألوانها في منزلها الذي دمره الاحتلال خلال حرب الإبادة، ومنذ ذلك الحين غابت عنها مساحة كانت تجد فيها نفسها.
تقول: "منذ مدة طويلة لم أتمكن من الرسم، حتى وصل باص الأحلام وأعطى كل طفل كراسة وورقة لنرسم. فرسمت بيتي، والسماء بلا طائرات، وغزة بلا حرب".

وفي زاوية أخرى، اجتمع فتية المخيم حول الألعاب الترفيهية، بينما تولى مدرب من جمعية الهلال الأحمر تنشيطهم.
تعالت أصواتهم وضحكاتهم مع كل فوز جديد، كأن المنافسة الصغيرة أعادت إلى المكان شيئًا من أيام غابت طويلًا.
ويصف الطفل محمد مرزوق الألعاب بأنها أعادت إليه "الروح من جديد"، وذكرته بحصة الرياضة في المدرسة والمخيمات الصيفية التي عرفها الأطفال قبل الإبادة التي تعرضت لها غزة.
لكن "باص الأحلام" لم يبدأ حكاية الترفيه من الصفر، فهو، وفق غالب أبو خاطر، أحد أعضاء دائرة الصحة النفسية المجتمعية في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، عبارة عن مركبة إسعاف تجوب محافظات قطاع غزة، وتحمل معها ألعابًا وأنشطة ترفيهية، لتوفير مساحة آمنة للأطفال والتخفيف من الضغوط والتوتر الذي خلفته ظروف الحرب القاسية.
أبو خاطر: "جيش الاحتلال الإسرائيلي قصف المركبة قبل أن تعمل جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني على استصلاحها وإعادة تأهيله".
ويشير أبو خاطر، وهو منسق "باص الأحلام"، إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي قصف مركبة الإسعاف خلال الإبادة الجماعية، قبل أن تعمل جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني على استصلاحها وإعادة تأهيلها، ثم تحويلها إلى مركبة ترفيهية تقدم خدمات الدعم النفسي وتوفر مساحات آمنة للأطفال من خلال زوايا الألعاب المنتشرة فيها.
ويحتوي الباص على أنشطة وزوايا متعددة، بينها السينما، والحكواتي، والألعاب، والأشغال اليدوية، إلى جانب أعمال التنشيط، في محاولة لإعادة شيء من الفرح إلى أطفال حملتهم الحرب أهوالًا أكبر من أعمارهم، وسرقت منهم طفولة كان يفترض أن تكون أكثر بساطة.
في زاوية السينما، تُعرض فقرات تتناول التعاون والإخلاص والمحبة، في محاولة لغرس هذه القيم في نفوس الأطفال والاستفادة منها في حياتهم اليومية، أما الرسم، فيمنحهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم وأحاسيسهم، بينما تتيح زاوية الحكواتي فرصة لاكتساب مهارات لغوية وألفاظ جديدة، في وقت يواصل فيه استهداف المدارس محاولات طمس ما تبقى من مهاراتهم التعليمية، وفي الختام، تأتي زاوية الألعاب لتكون ركنًا للترفيه وتنمية مهارات الأطفال على أصعدة عدة.
هكذا يمضي "باص الأحلام" بين أطفال غزة: مركبة إسعاف نجت من القصف، ثم عادت تحمل بدل الجراح ألعابًا، وبدل الخوف حكايات، وبدل أصوات الحرب ضحكات أطفال يحاولون، ولو لساعات، أن يستعيدوا ما سرقته منهم ثلاث سنوات من الإبادة.
























